خطاب حال الاتحاد الرئاسي السنوي، تقليد مستمر في سياسة الإدارة الأميركية يقوم فيه الرئيس تقويما للسنة المنتهية ولكنه يعلن بشكل خاص عن أجندته للسنة القادمة.
خطاب هذا العام جاء على خلفية سنة لم تكن سهلة، لا بل كانت سنة صعبة بالنسبة للرئيس بوش إذ شهدت شعبيته تراجعا حادا وصلت إلى اثنين وأربعين بالمئة تقريباً.
صار التخبط في العراق إحدى نقاط النزف الرئيسي في شعبية الرئيس بعد أن كانت حرب العراق ووعود التغيير في العراق وعبر العراق مصدر قوته الأساسية، وكانت سنة صعبة أيضا مع ازدياد العجز الحاد في الموازنة الذي من مسبباته أيضا الغرق في العراق .
وسوء إدارة كارثة اعصار كاترينا حيث بدت الولايات المتحدة في تخبطها في التعامل مع الكوارث الطبيعية وكأنها دولة من العالم الثالث، ثم الفضائح المالية للحزب الجمهوري.
كل ذلك على أعتاب سنة انتخابات للكونجرس في منتصف نوفمبر المقبل، كما ان الدين الخارجي ونظام الضمان الاجتماعي الذي يستنزف أيضا مالية الدولة والعجز في الموازنة كلها عناصر تعرقل بشدة كل محاولة للإصلاح، القلق ينتاب المواطن الأميركي.
حيث تدل استطلاعات اجريت مؤخراً ان اثنين وعشرين بالمئة من الناس خائفون من احتمال خسارة وظيفتهم. أسلوب الخطاب استمر في التقليد التغييري ذاته ولكن النبرة القوية بتفاؤلها قد خفت بقوة مقارنة بخطابات سنوات الإدارة الأولى.
الشق الايديولوجي الخلاصي أو التعبوي في الخطاب بقي متمحوراً حول عناصر التغيير والديمقراطية ومحاربة الديكتاتورية لكنه كان تبريريا ودفاعيا في مقاربته، مؤكدا على ضرورة الحفاظ على زعامة أميركا كشرط لحماية الشعب الأميركي ولتأمين السلام في العالم، جاء الخطاب محذرا من مناخ انعزالي تراجعي آخذ في التبلور بسبب ورطة العراق بشكل خاص.
بوش باختصار يخير أميركا بين مسؤولية القيادة، قيادة العالم وتغييره أو الانسحاب من هذه المسؤولية وتحمل مخاطر وتداعيات الانكشاف الذي يولده الانسحاب، بوش يقول ان القيادة هي أميركا.
لكن يبقى السؤال قائما حول تكلفة تلك القيادة وطبيعتها، فهل تبقى وحيدة وأحادية أم تحاول أن «تتدول» لتخفف من الأعباء على واشنطن وتزيد من شرعية الدور الأميركي و«تسهله» على الصعيد العالمي.
الشق الاستراتيجي السياسي كعادته كان شرق أوسطياً بامتياز ضم سوريا إلى محور الشر وزاد في حدة هجومه على إيران وأعلن الحرب على الإسلام الراديكالي من دون أن يحدد هذا «العدو» ويعرِّفه، بقي عنواناً واسعاً ممتداً صالحاً للتعبئة والصدام.
وجاء الخطاب استباقياً ودفاعياً بالنسبة للعراق إذ رسم معادلة أمام ازدياد الانتقادات لسياسة الإدارة قوامها «ان طريق الانتصار هو الطريق الذي يعيد قواتنا إلى الوطن» مع التذكير بأن مفهوم الانتصار قد تراجع كثيراً. فخفّ فيه منسوب النموذج الديمقراطي وزاد فيه منسوب الاستقرار والتوافق الطوائفي.
شرق أوسط بوش يحمل ارتباكاً في العراق مع تخفيض في سقف الأهداف ويحمل تأزماً وانسداداً للتسوية مع إيران ويحمل توتراً وانسداداً مفتوحاً على مخاطر كبيرة ومختلفة في فلسطين. إنها استراتيجية تربط بين كل الأطراف.
وتحديداً المعارضة لواشنطن في المنطقة وترفض في الوقت ذاته أن ترى الترابط والتأثير المتبادل بين قضايا المنطقة عند الرأي العام وهو ترابط يشكل قيوداً على الحكومات الصديقة لواشنطن في المنطقة، كما يشكل قيوداً على سياسات واشنطن الإقليمية.
الشق الداخلي الاقتصادي في الخطاب كان مكشوفاً في المسافة بين الحالة الأميركية القائمة وبين الوعود في الثورة التكنولوجية عبر الإعلان عن مبادرتين:
مبادرة التنافسية الأميركية من خلال الاستثمار في تطوير المعرفة النوعية لقيادة الاقتصاد العالمي أمام «تحديات» الدورين الصيني والهندي.
ومبادرة الطاقة المتقدمة للانعتاق من الاعتماد على النفط وتحديداً النفط الشرق أوسطي، وكانت مفارقة مثيرة إذ أن ابن تكساس ورجل النفط السابق يدعو للتحرُّر من النفط المستورد من مناطق غير مستقرة في العالم.
لكن المفارقة الأخرى أن بوش يتحدث عن قيام شرق أوسط أميركي في حين يقول من جهة أخرى إنه يتخوف من مستقبل الاستقرار في ذلك الشرق الأوسط ولذلك يريد أن يتحرَّر من الاعتماد على نفطه.
يدل الخطاب في برنامجه ومشاريعه ووعوده على استمرار المنطق الامبراطوري ورغبة الدفع في التمدُّد، لكنها رغبة لم تعد تملك القدرات المادية والسياسية لذلك كما يدل الوضعان الداخلي والدولي، وبالأخص في أميركا اللاتينية «أو الحديقة الخلفية» لواشنطن وفي الشرق الأوسط «الملعب الرئيسي» لها.
فما نشهده هو ازدياد الفجوة بين الأهداف والإمكانات في ظل استمرار السياسة الامبراطورية وازدياد المعارضة الداخلية والممانعة الخارجية المختلفة الأسباب والأهداف.
كاتب لبناني