بعد اكتساح حركة المقاومة الإسلامية حماس نتائج الانتخابات التشريعية في فلسطين المحتلة الذي فجر زلزالاً سياسياً مازال دويه يصم الآذان في فلسطين والعالم العربي .

والعديد من العواصم الغربية، تقف قيادة حماس أمام تحديات كبرى أهمها الخوف من العودة بالملف لفلسطيني إلى المربع الأول في مشروع التسوية، ويفتح الأبواب أمام قطيعة فلسطينية ـ دولية وبالطبع فلسطينية ـ إسرائيلية إذا لم تحسن حماس التعاطي مع الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بالعملية السلمية.

بالتالي فحماس مطالبة بتحمل المسؤوليات الوطنية والحفاظ على المكتسبات والإنجازات الوطنية التي حققها الشعب الفلسطيني خلال مسيرته النضالية الطويلة. وهذا هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة.

فالنصر الكاسح الذي حققته حماس فاجأ بالتأكيد كل الأطراف، بما فيها قيادة حماس نفسها، وجعلها تقف في واجهة السلطة الفلسطينية ووضعها في مأزق كبير مفاده أن حماس قد تضطر لاتخاذ مواقف سياسية مختلفة عن تلك التي كانت تتبناها أثناء وجودها في صفوف المعارضة الفلسطينية.

لا سيما فيما يخص الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها واستمرار المقاومة. وإلا فإن الضغوطات الدولية الآتية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول التي تمول السلطة الفلسطينية ستضاعف من ضغوطاتها على الشعب الفلسطيني وسلطته وقيادته الجديدة كمحاولة منها للحصول على التنازلات المرجوة تجاه إسرائيل والعملية السلمية.

فهاهي وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي زارت واشنطن، صرحت بعد محادثات مع نظيرتها الأميركية كوندوليزا رايس، إنه إذا لم تف حماس في حال تشكيلها الحكومة الفلسطينية بالمطالب الموجهة إليها بنبذ «العنف والإرهاب» وتفكيك بنية التنظيمات «الإرهابية»، فإن إسرائيل ستعتبر الكيان الذي ستحكمه «كياناً إرهابياً» لأن حكومته منظمة «إرهابية».

أما رايس فقد أعلنت أن الولايات المتحدة تتفهم موقف إسرائيل من محاربة «الإرهاب» وحماية مواطنيها، لكنها تأمل أن يتم تطبيق خريطة الطريق التي نصت على تفكيك المنظمات الإرهابية».

ودلالات هذا الأمر أنه في حال استمرار رفض حماس الرضوخ للمطالب الدولية فقد تعاني من عزلة دبلوماسية وسياسية في المرحلة المقبلة.

علاوة على ذلك فقد أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً قال فيه إن كافة أعضاء الحكومة الفلسطينية المقبلة يجب عليهم نزع السلاح والاعتراف بإسرائيل.

وطالب البيان الذي أقرته كافة الدول الأعضاء بالمجلس السلطة الفلسطينية بالعمل على وقف ما وصفه بالعمليات «الإرهابية» و«تفكيك بنية الإرهاب».

مما يعني أن الأطراف الدولية الأساسية ستراقب حماس والحكومة التي ستشكلها في الأيام القريبة المقبلة وستتخذ قراراتها طبقاً لمواقف حماس السياسية وليس طبقاً للسياسات الإسرائيلية التي طالما بقيت العقبة الجوهرية للتقدم في مسيرة السلام.

كما بدأت التهديدات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية بقطع المساعدات المالية وتمويل المشاريع المختلفة والتحويلات المالية من إسرائيل مالم تتخل حماس عن «العنف» وتعترف بإسرائيل.

هذا الأمر سيخلق مشكلة مالية كبيرة للحكومة الفلسطينية المقبلة بقيادة حماس التي ستكون مسؤولة عن دفع رواتب العاملين في السلطة الوطنية الفلسطينية البالغ عددهم 137 ألف موظف.

بينهم 60 ألفاً من أفراد الأمن، إضافة إلى التعاطي مع ملف العجز في الموازنة، الذي بلغ 800 مليون دولار أميركي في عام 2005، علماً أن المانحين الدوليين يدعمون موازنة السلطة الفلسطينية بنحو 340 مليون دولار.

وهذا يعني أن الحصار الدبلوماسي والسياسي والمالي الذي سيفرض على الحكومة الفلسطينية المقبلة من قبل الأطراف الدولية الرئيسية سيكون له تداعيات سلبية كبيرة على الشعب الفلسطيني .

وعلى صموده وخياره الديمقراطي في اختيار الفريق السياسي عن طريق صناديق الاقتراع التي يفترض أنها البوابة الذهبية للحصول على جميع أنواع الدعم من الأطراف التي تدعي أنها تعمل على إرساء الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.

أما التحدي الأخطر لحماس والحكومة الفلسطينية المقبلة فهو يكمن في التصور الذي أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة ايهود أولمرت وهو الأكثر وضوحاً عنده فيما يتعلق بحدود إسرائيل النهائية في حالة فوز حزب كاديما الذي ينتمي إليه في الانتخابات التي ستجري الشهر المقبل .

كما تشير استطلاعات الرأي. يقول أولمرت إن إسرائيل ستحتفظ بالقدس وثلاث مستوطنات كبرى في الضفة الغربية إلى جانب منطقة وادي الأردن الاستراتيجية.

وهذا التصور سيتم تطبيقه من لجوء إسرائيل إلى تبني سياسة آحادية الجانب على غرار ما حصل في قطاع غزة في حال فشلت إسرائيل في التوصل إلى اتفاق مع الجانب الفلسطيني.

وحسبما تقول التجربة التفاوضية مع إسرائيل فإن التوصل لأي اتفاق حول المسائل العادية هو أمر صعب فكيف بالقضايا المتعلقة بالحل النهائي كالقدس والحدود واللاجئين والسيادة.

وخير دليل على جدية أولمرت تجاه التصور الإسرائيلي في المرحلة المقبلة هو إعلانه أن استكمال الجدار العازل الذي تشيده إسرائيل في الضفة الغربية لكي يفصلها عن الأراضي الفلسطينية هو أمر ذو أولوية.

ويبقى تحد خطير آخر يجب على حماس أن تتعاطى معه بحذر ووعي شديدين وهما الحفاظ على الوحدة الوطنية والقضاء على الأسباب التي يمكن لها أن تقود إلى خلافات مسلحة لا سيما وأن العديد من الفصائل الفلسطينية كفتح والجهاد الإسلامي أعلنتا رفضهما الانضمام إلى الحكومة المقبلة.

بينما وضعت فصائل فلسطينية أخرى مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شروطاً تتعلق بالبرنامج السياسي لحماس تجاه المرحلة المقبلة.

وهذا يعني أن حماس قد تجد نفسها منفردة في الحكم أو إلى جانب فصائل صغيرة لا تتمتع بقاعدة شعبية واسعة، الأمر الذي سيعقد من مهمة الحكومة المقبلة بقيادة حماس لا سيما وأنها تفتقر إلى الخيرة اللازمة في العمل السياسي الرسمي.

لذلك من الضروري أن تعمل حماس على بلورة برنامج سياسي واضح تتبناه الحكومة المقبلة كي يصبح البوصلة التي تحدد آليات العمل السياسي للسلطة الفلسطينية في الوقت الذي يمكن المعارضة الفلسطينية من تبني برنامج سياسي واضح يتيح لها ممارسة اللعبة الديمقراطية بعيداً عن التجاوزات والمزايدات التي عادة ما تسبب التشنجات المعقدة أو الخلافات الحادة.

وهذا يتطلب بداية من القادة في حركة حماس أن يوحدوا مواقفهم السياسية والإعلامية وأن يتحلوا بالوضوح والشفافية حتى لا تصبح التصريحات السياسية المتناقضة التي لمسناها في الفترة الأخيرة بعد الانتصار محلاً للتشكيك أو الاتهام من قبل أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية.

إن دخول حماس السلطة قد يؤدي إلى تغيير في نمط الحركة الإسلامية، لأن الحركة في المعارضة تتصرف كما تشاء، ولكن الأمر يختلف كثيراً عندما تصبح في قلب السلطة وتحدياتها.

والذي نأمله في المستقبل أن لا نتمنى لو أن حماس بقيت في المعارضة كحركة مقاومة كبرى لها أهدافها النبيلة بدلاً من خوض العمل السياسي مبكراً من داخل السلطة.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com