تشهد تركيا حالياً اهتماماً كبيراً بفيلم تركي يصور الأميركيين في العراق كمتوحشين هو فيلم «وادي الذئاب: العراق» وهو الأكثر كلفة في تاريخ السينما التركية (عشرة ملايين دولار)، ويصور الأميركيين كمتوحشين.
حيث لا يتوانى فيه الجنود الأميركيون عن قتل طفل أمام والدته أو تخريب عرس مطلقين الرصاص عشوائيا، إلى جانب مشاهد عنيفة أخرى حيث يجرون أفرادا إلى سجن أبو غريب الشهير ليقوم طبيب يهودي بتقطيع أوصالهم ليبيعها للأثرياء في نيويورك ولندن وتل أبيب.
التحالف لا يمنع النقمة
والفيلم يغذي مشاعر النقمة والسلبية التي يشعر بها العديد من الأتراك تجاه الأميركيين ورغم أنه صنف ضمن فئة المغامرة والخيال، إلا أنه جزء من ثقافة بدأت تنتشر مؤخرا تسعى لتشبيه أميركا بالشيطان.
يبدأ الفيلم بمشهد حقيقي وقع في مدينة السليمانية العراقية (4/ 7/ 2003)، حين قامت قوات أميركية بمداهمة مكاتب قوة خاصة تركية وقامت باعتقال 11 منهم لأكثر من يومين للاشتباه بقيامهم «بنشاطات مشبوهة» وتمت تغطية رؤوسهم بأكياس من الخيش.
في ما اعتبره الأتراك إهانة كبيرة، وهو ما زاد توتر العلاقات بين واشنطن وأنقرة، كما جرحت كرامة الأتراك الوطنية وبخاصة أن الشعب التركي معروف بنظرته لجيشه كرمز ذي وضع خاص جدا.
ومن المشهد الأول للفيلم تقول إحدى الشخصيات التي تؤدي دور الضابط المسؤول عن العسكريين الأتراك «إنه عمل ضد الشعب التركي»، مشرعا بذلك عملية انتقامية ستنفذ فيما بعد. ويقوم قناص في أجهزة الاستخبارات التركية بملاحقة شخصية الضابط الأميركي الذي الحق الأذى هو وجنوده بالسكان، وذلك إلى أن يقبض عليه ويقتله.
وفي تركيا التي عبرت عن معارضتها الشديدة للحرب على العراق، حققت روايات عديدة نجاحات بسبب الخلفية السياسية التي تروي مواجهات بين «الأتراك الطيبين» و«الأميركيين الأشرار».
الزلزال والهزات الارتدادية
وفي الحقيقة فإن هذا الفيلم ليس سوى هزة ارتدادية من الطبيعي أن تلي الزلزال العراقي، وهذا البخار الذي يتكاثف في أفق العلاقات الأميركية التركية منذرا بانفجار مفاجئ ليس جديدا، ففي فبراير 2003 .
وقبل الحرب على العراق ظهرت مؤشرات أولية لاحتقان في العلاقات الأميركية التركية وهو ما أشرت إليه وقتها في مقال في «البيان» (15/ 2/ 2003) عنوانه:
«من المسكوت عنه في الملف العراقي». وفيه استشرفت احتمال أن تؤدي تطورات الملف العراقي لمواجهة عسكرية غير متوقعة بين تركيا وأميركا.
وفي (10 مارس 2003) نشرت لي البيان مقالا ثانيا عنوانه «هل هناك حرب أميركية محتملة» رصدت فيه امتداد رد الفعل الغاضب من المشروع الأميركي لتغيير النظام في العراق في محور امتد من أنقرة لموسكو التي حذر وزير خارجيتها (آنذاك) إيغور إيفانوف من أنه «في حال استخدمت القوة لتسوية الأزمة العراقية قد ينجم عن ذلك عواقب خطيرة، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل أيضا على المستوى العالمي».
ثم كشف مسؤول تركي أنه: «إذا تم التحرك لإقامة دولة كردية شمال العراق فإن تركيا ستقف وجها لوجه ضد الولايات المتحدة والأكراد، وأكد المسؤول التركي أن أنقرة لن تسمح مطلقا وتحت أي ظرف بإقامة دولة كردية، وأنها مستعدة للدخول في حرب ملحة إذا استدعى الأمر ذلك».
وقال المسؤول التركي إن أنقرة بعثت مؤخرا رسالة جدية لأميركا مفادها أنه بدون القوات التركية فان منطقة شمال العراق ستتحول إلى «فلسطين أخرى»!.
العاصفة المعدنية
وقبل نهاية 2004 بأيام كان هناك رواية اسمها «العاصفة المعدنية» تشغل الرأي العام التركي على نحو غير مسبوق وهي تتنبأ بعدوان عسكري أميركي على تركيا بسبب الخلاف حول الملف الكردي، وقد نشرت في ديسمبر 2004 .
ووزعت 150 ألف نسخة في بلد لا يتجاوز معدل توزيع كتاب فيها عدة آلاف. وحسب الرواية فإن شرارة هذه الحرب ستأتي من قيام قوات أميركية بمهاجمة قوات تركية منتشرة في شمال العراق لحماية الأقلية التركمانية.
وترسم الرواية صورة صراع شامل، إذ يقصف الطيران الأميركي مدن تركيا الكبرى موقعا خسائر فادحة في الأرواح، تلجأ تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وروسيا لطلب العون.
وقد رأى النقاد الأتراك أن نجاح هذا العمل الذي ليس له قيمة أدبية كبيرة، وتأتي أهميته الحقيقية من كونه يعكس التوتر في العلاقات التركية الأميركية،.
وهو ما يعززه تصريح لنائب وزير الدفاع الأميركي يحذر من أن الشراكة الأميركية التركية مهددة بالزوال ما لم تتخذ الإدارة التركية خطوات جدية لتخفيف مشاعر العداء لأميركا بين الأتراك.
أما مؤلفا الكتاب (وهما صحافيان خبيران في المسائل الدفاعية) فيؤكدان أن الرواية لا تثير فقط مسألة مؤامرة سياسية إنما تعرض نظرية يمكن أن تتحقق.
الفيلم وما سبقه وما سيتلوه حتما من أدبيات العداء يشير إلى وعي كل من طرفي الصراع في المنطقة بأجندة الطرف الآخر بشكل لا لبس فيه، فالأميركيون يعتقدون أن الاستبداد التحديثي: القومي والماركسي، سبب أزمات المنطقة وتريد تقليص نفوذه في «الشرق الأوسط الكبير» كله.
والنخب القومية الأكثر تشددا (البعث العراقي المنهار - البعث السوري - النخبة العسكرية التركية) هم دائما حتى المرشحون لدفع الثمن الأكثر فداحة في حال نجح الأميركيون في تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وعندما قال الرئيس بوش في خطاب حالة الاتحاد الأخير إن الحرب هي على الأنظمة التي تشبه الهتلرية والماوية واللينينية فإن الطرفين يكونان في حالة اقتراب واع من المواجهة، والشاشة الفضية سلاح مهم من أسلحة صياغة الوجدان، ذلك أن «صناعة الحرب» يجب أن تسبقها «صناعة الكراهية»!
كاتب مصري