يتساءل الصحافي الفرنسي الكبير آلان جريش رئيس تحرير صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» النخبوية:

لماذا تنحاز الولايات المتحدة تماماً إلى إسرائيل دون أن تدفع أي ثمن في علاقتها مع العالم العربي بينما تنطلق حملة عنيفة ضد الدنمارك تشارك فيها الحكومات العربية؟

بالإضافة إلى أنه صحافي فإن جريش يعتبر مفكراً يسارياً. والتساؤل الذي طرحه ليس معناه أنه يسعى لتبرير مسلك الصحيفة الدنماركية لنشرها رسومات تسيئ إلى رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. على العكس فإنه يؤيد غضبة الشارع الإسلامي والدعوة إلى مقاطعة الدنمارك.

لكنه إذ يقول ذلك فإنه في الوقت نفسه يتساءل قائلاً: أليست هناك أسباب أخرى للضغط على الغرب. فهناك، يقول جريش، مشكلات كبيرة في سياسة الغرب عموماً وسياسة الولايات المتحدة خصوصاً تجاه فلسطين والعراق، ومع ذلك لا نجد أية مقاطعة للولايات المتحدة ودول غربية أخرى فيما يتعلق بهذه المشكلات.

إذا استثنينا إحراق سفارات وكنائس في عواصم عربية وغيرها فإن غضبة جماهير المسلمين ضد الدنمارك ـ ومن ثم ضد دول أوروبية أخرى ـ غضبة مبررة بالكامل.

فالإساءة العلنية إلى الإسلام كعقيدة ورسالة خلال الإساءة إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليست مما يسكت عليه في عالم الأمة الإسلامية. لكن هناك قضايا أخرى تتلقى الشعوب الإسلامية من خلالها ما هو أشد من الإساءة الإعلامية.

يقول جريش: لم أسمع أن الدول العربية في تاريخها ضغطت على الولايات المتحدة بسبب موقفها من القضية الفلسطينية على شكل مقاطعة كبرى. ويضيف: هذا مستغرب للغاية. يمكن أن أفهم الغضبة الحالية ولكن هناك الكثير من الأمور التي استوجبت المقاطعة سابقاً.

لقد استأثرت الحملة الشعبية الإسلامية ضد الدنمارك بموقع الصدارة في وسائل الإعلام العالمية والعربية والإسلامية لمدى أيام متصلة حتى غطت على تداعيات الفوز الانتخابي الكاسح لحركة «حماس»، وبالتالي دخول المشهد الفلسطيني مرحلة جديدة.

وهكذا بدا وكأن المستفيد الأول من الحملة الشعبية العربية والإسلامية ضد الدنمارك يتمثل في الولايات المتحدة وإسرائيل، ولم يتأخر جورج بوش في استثمار هذا الوضع بتوجيه نقد مبطن إلى أوروبا وكأن واشنطن تريد للحملة أن تتواصل طالما أنها لا تطال أميركا أو إسرائيل.

الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي هو العدو الاستراتيجي الأعظم للفلسطينيين والعرب والمسلمين ويبقى كذلك إلى حين إشعار آخر. ورغم أن دولة كالدنمارك ـ إعلاماً وحكومة ـ ينبغي أن تلقى عقاباً إسلامياً تأديبياً جزاء تعرضها بالإساءة إلى العقيدة الإسلامية إلا أن مثل هذه الإساءة لا ينبغي ـ على عظمها ـ أن تصرف اهتمامنا وطاقتنا على العدو الأساسي.

وفي هذا الصدد يتساءل المفكر الصحافي الفرنسي جريش عن الضغوط المتعاظمة التي باتت تتعرض لها حركة «حماس» بسبب فوزها الانتخابي للاعتراف بإسرائيل والتخلي عن سلاح المقاومة، فيقول: لماذا لا يضغطون على إسرائيل التي لا تعترف بدولة فلسطينية من الأساس؟

ويبقى التساؤل الأكبر: لماذا تنهض الحكومات العربية من أجل مقاطعة ضد الدنمارك دون أن تتبنى مقاطعة ضد الولايات المتحدة؟