في العالم 27 ألف قذيفة نووية قابلة للإطلاق الفوري.
هكذا حذرنا محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن البرادعي لم يشأ أن يقول لنا إن من بين هذه الألوف المؤلفة من أحد أسلحة الدمار الشامل لا تملك إيران قذيفة واحدة.. وبالتالي لا يقول لنا لماذا يقوم الغرب بشن حملة ضارية ضد البرنامج النووي الإيراني، باعتباره خطراً محتملاً ومستقبلياً، بينما العالم يواجه حالياً ـ وليس مستقبلاً ـ خطراً نووياً ماثلاً يتكون من 27 ألف عنصر فتَّاك.
البرادعي يحذر من «هلاك البشرية» إذا لم يتم التخلص من الترسانات النووية القائمة فعلاً. ومن خلال هذا التحذير لم يقل هذا الرجل إلا الحق.. لكنه لم يقل كل الحق.
يقولون «الشيطان في التفاصيل». ومن تفاصيل القصة النووية أن أكبر ترسانة للأسلحة النووية الجاهزة للاستخدام تملكها دولة اسمها الولايات المتحدة. وهذه الدولة تربطها شراكة استراتيجية بحسابات الحياة أو الموت مع دولة إسرائيل ـ العدو الاستراتيجي الأول لشعوب الأمة العربية.. وبالتالي فإن الترسانة النووية الأميركية في خدمة الدول اليهودية إذا دعا الداعي.
وهناك المزيد من شيطان التفاصيل: فالدولة اليهودية نفسها لها ترسانتها النووية الخاصة بينما لا تملك أي من الدول العربية المستهدفة بالسلاح النووي الإسرائيلي عند لحظة حاسمة ما في المستقبل حتى مجرد مختبر لبحوث السلاح النووي.
حسب الأرقام الأميركية المعلنة فإن الترسانة الأميركية تتكون من 4500 قذيفة نووية.. وما خفي كان أعظم، لأن الرقم الحقيقي يعتبر سراً.
وحتى لو صدّقنا هذا الرقم فإن من الحقائق المنشورة أن للولايات المتحدة برنامجاً نووياً إضافياً لإنتاج طراز جديد من الأسلحة النووية الأكثر تقدماً من النوع المصمم لاختراق المخازن الأسمنتية المحصنة تحت الأرض. والغرض بالطبع هو استهداف الترسانات النووية المحصنة في أي دولة نووية تصنفها واشنطن كعدو للولايات المتحدة أو لإسرائيل.
لهذا نفهم لماذا ترفض إدارة بوش توقيع الولايات المتحدة على المعاهدة الدولية لمنع التجارب النووية، بينما تطالب الدول الأخرى بالتوقيع.
المغزى إذن واضح. فإسرائيل ـ ومن ورائها الولايات المتحدة ـ ينبغي أن تبقى الدولة الوحيدة المحتكرة للسلاح النووي في منطقة العالم العربي والإسلامي.
وهذا ببساطة هو الدافع وراء الحملة الشرسة ضد البرنامج النووي الإيراني، رغم أنه ليس مؤهلاً بعد لإنتاج أسلحة نووية. وعندما ينتفي دور باكستان مستقبلاً ـ لسبب أو آخر ـ في الحرب الأميركية على «الإرهاب»، سيكون البرنامج النووي الباكستاني أيضاً عرضة لحملة شرسة مماثلة.
في المدى الزمني المنظور، ليس من المتوقع أن تلجأ إسرائيل إلى استخدام ترسانتها النووية ضد العرب والمسلمين لأن الترسانة الإسرائيلية أنشئت أصلاً لتشكل رادعاً لدول عربية وإسلامية لا تملك مثل هذا السلاح، فلا تفكر أي منها في أية لحظة مستقبلية في شن حرب تقليدية أو المشاركة في حرب تقليدية ضد الدولة اليهودية.
لهذه الغاية ـ غاية انفراد إسرائيل بتملك السلاح الأعظم الرادع ـ ضرب المفاعل النووي العراقي في مطلع ثمانينات القرن الماضي. ولهذه الغاية أيضاً تتزعم الولايات المتحدة الحملة لمحاصرة البرنامج النووي الإيراني في مهده، وقبل أن يبلغ سن النضج فيؤدي بذلك إلى كسر الاحتكار النووي الإسرائيلي.
ومن عجائب الدنيا أن دولاً عربية تساند الحملة الأميركية.