... وإيه يعني لما يموت مليون أو كل الكون

العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار

حتقولي سينا وماسيناشي ما تدوشناشي

ما ستميت أتوبيس ماشي شاحنين أنفار

كلمات مشحونة بالألم والحسرة والغضب كتبها شاعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم في قصيدة شهيرة عبّر فيها عن سخطه ورفضه للكارثة العسكرية أو النكسة التي وقعت في 5 يونيو 1967 وحمّل مسؤوليتها النظام السياسي وقتها.

فهل يجوز لنا استعمال ذات الكلمات الغاضبة في كارثة غرق العبارة السلام 98 في مياه البحر الأحمر وتسييس الحادث أم نذهب إلى أن الأمر لا يتجاوز كونه حادثاً مثل باقي الحوادث التي راح ضحيتها العشرات والمئات قبل ذلك وأن المسألة برمتها «قضاء وقدر» و«أعمار» ولكل أجل كتاب وتقلب الصفحة والتحقيق سوف يستمر والجناة لن يفلتوا من العقاب ودم القتلى لن يذهب هدرا ؟!

كان يمكن اعتبار كارثة غرق «السلام» حادثة ونستسلم صابرين وراضين للوصف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا لو لم يستفز بعض «السفهاء» المسؤولين الحقيقيين عن الحادثة بتفسيرات أصابت الناس في مشاعرهم الموجوعة وهي نفس التفسيرات التي صاحبت الحوادث السابقة، قال «السفهاء» إن الناس ركاب الباخرة هم السبب والحكومة غير مسؤولة.

فعلا - تخيلوا - الناس الغلابة هم السبب لأنهم جهلة بمعايير السلامة وأساؤوا استخدام وسائل الأمان والإنقاذ عند الغرق وأخطأوا أيضا في السير على سطح الباخرة وكان عليهم الالتزام بأماكنهم حتى يغرقوا في هدوء وسلام.

الناس هم أيضا كانوا السبب في حادثة قطار الصعيد الذي كان متجها من القاهرة إلى الأقصر في فبراير 2002 وراح ضحيته 360 شخصا وكان يجب معاقبتهم بدلا من السادة المسؤولين الذي خرج كبيرهم وقتها متهما الضحايا بالتسبب في الحادث لأن أحدهم كان يشعل «وابورجاز» داخل القطار لعمل «الشاي الصعيدي».

والناس أيضا كانوا السبب في حادث حريق مسرح بني سويف في أكتوبر الماضي لأنهم تدافعوا من دون نظام للخروج من المسرح وكانت النتيجة إزهاق أرواح نحو 50 شخصا من نخبة المسرحيين في مصر.

إذن عندما نتساءل عن مسؤولية حادثة العبارة السلام الأخيرة علينا أن ندقق في الاتهامات قبل إطلاقها وتوجيهها للحكومة أو بعض المسؤولين فيها لأن الشعب المحكوم بها لا يعرف أصول النجاة من حوادث الغرق والحريق والتصادم وعليه أن يتعلمها أولا قبل أن يتهور ويتهم حكومته في شرفها الوطني وإخلاصها القومي وأخلاقها العالية.

حان الوقت فعلا وجاء الزمن الذي يجب أن تتاح فيه الفرصة لأن تختار الحكومات شعوبها.. بدلا من الشعوب الجاهلة الرافضة والساخطة على كل شيء والتي تعرضها للإحراج الدائم ولا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب.. !

وقد يأتي هذا الزمن الذي نرى فيه الحكومة تودع شعبها بعد أن يصلا إلى مفترق طرق وتتقطع بهما السبل وتتمنى له السلامة في وطن آخر وتسعى لاستيراد شعب آخر مؤدب ولطيف ومطيع ويرضى بقضاء الله وقدره..!