أطل علينا أخيراً رئيس وزراء الدنمارك ]راسمسن[ مبدياً «تفهمه» لما سببته الرسوم الدنماركية المشينة من أذى لمشاعر المسلمين في العالم، ومبدياً احترامه للدين الإسلامي، ورافضاً الاعتذار، وداعياً إلى «الحوار» على أساس الاحترام المتبادل باعتباره ـ على حد قوله ـ أن هذا هو الحل الوحيد «للأزمة العالمية» التي اشتعلت بسبب هذه الرسوم الصحافية!

وتزامن هذا الكلام مع استشعار المجتمع الدولي لمخاطر استمرار تصاعد الغضب وما يمكن أن يقود إليه من إشاعة روح التصادم وليس الحوار بين الحضارات، ودفع العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي إلى منزلق المواجهة في ظل سعي الصهيونية العالمية للوقيعة بين الطرفين.

وفي ظل إصرار الغرب على الحوار وإصرار الشرق على الاعتذار مما حمل شخصيات رئيسية من الشرق والغرب والأمم المتحدة لإبداء موقفها من هذه الأزمة..

ووصف البيان الذي أصدره «كوفي عنان» الأمين العام للأمم المتحدة و«أكمل الدين إحسان أوغلو» الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي و«خافيير سولانا» مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي الرسوم الدنماركية بأنها «مقززة» بينما عبروا عن قلقهم من العنف الذي صاحب بعض ردود الفعل.

وفي حين أدان البيان الممارسة غير المسؤولة لحرية التعبير في الصحافة الغربية، عبروا عن اعتقادهم بأن العنف الذي صاحب بعض ردود الفعل في الساحات الإسلامية تجاوز حدود الاحتجاج السلمي، وفي الوقت الذي طلبوا فيه من الصحافة العالمية احترام المعتقدات الدينية، طالبوا جميع الأطراف في الأزمة الحالية بممارسة ضبط النفس.

لقد اندلع الحريق الهائل من مشاعر الغضب الذي عم الشارع الإسلامي على امتداد العالم كله، والذي تسببت في إشعاله تلك الإهانة البالغة للدين الإسلامي وللرسول العربي محمد عليه الصلاة والسلام وللشعوب المسلمة في ممارسة غير مسؤولة

«للحرية» من جانب صحيفة صغيرة لم يبلغ محررها المسؤول سن الرشد بعد ليعرف الفرق بين «حرية التعبير» المشروعة و«حرية التطاول» الممنوعة..

إننا كإعلاميين في مثل هذه الأزمة لا يمكننا الصمت لأننا نعرف أن الإعلام ليس من مهمته الصمت، وفي دول مسلمة لا يمكننا إلا أن نغضب كسائر المسلمين، وإننا مع شعورنا بالإهانة، وحينما نعبر عن غضبنا - وهذا حقنا- فلا ينتظر المستغربون هنا والمستشرقون هناك منا ألا يكون تعبيرنا عن غضبنا شيئاً أكبر من مجرد الشعور بالأسى أو الاكتفاء بمصمصة الشفاه..

كما لا يمكننا أن نكون محايدين لأنه لا يوجد في الغرب أو الشرق إعلام محايد، بل الممكن فقط والمطلوب أيضا أن يكون تعبيرنا عن غضبنا المبرر والنبيل من موقع الشعور بمسؤولية الحرية الصحافية - وهذا واجبنا - أن نحاول أن نكون موضوعيين ومسؤولين، حتى وإن بدا خصومنا في هذه القضية خصوماً للموضوعية والمسؤولية بل وللمعنى الحقيقي للحرية.

وبكل الموضوعية والمسؤولية أقول كإسلامي..إنه لا يصح إسلامنا إلا بإيماننا بالمسيحية واليهودية الحقة، ومن هنا نسمي أبناءنا بأسماء الأنبياء«عيسى» و«موسى» عليهما السلام..ولهذا ندين أي تطاول على العقائد الدينية، وأي اعتداء على الكنائس أو المعابد تماما مثلما ندين أي تطاول على عقيدتنا أو أي اعتداء على مساجدنا.

وبكل الموضوعية والمسؤولية أقول كإعلامي.. إننا في الوقت الذي نؤكد فيه«تأييد» مبدأ حرية التعبير، نؤكد فيه أيضا على ضرورة «تقييد» جريمة حرية التشهير وفقا للقوانين الإنسانية المحترمة، ليس لعقيدتنا الدينية فقط وليس لأي دين آخر فقط ولكن لأي إنسان حفظاً لمشاعر وكرامة هذا الإنسان.

والذي يبعث على الحيرة هو تجاهل أسباب العنف المدان والاكتفاء بصب اللعنات على النتائج، وقد أدهشني صحافي أوروبي وهو يقول منفعلاً.. لماذا العنف ؟! لماذا لا يذهب ممثلو المسلمين في الدنمارك إلى المحكمة ليحكم القضاء في القضية دون عنف؟!

ومبعث دهشتي جاءت قبل أن أستمع إليه بيوم واحد من أن أحد المحاكم الفرنسية رفضت دعوى أقامتها عدة منظمات إسلامية تطالب بمنع نشر الرسوم من قبل صحيفة فرنسية..ورحب رئيس تحرير الصحيفة بقرار المحكمة قائلا «إن انتقاد الأديان هو أمر شرعي في دولة ديمقراطية يحكمها القانون»!!

ومن الواضح منذ البداية أن ما ساهم في اتساع رقعة الحريق على المستوى الشعبي وتصاعده بعد ذلك تدريجيا على المستوى الرسمي هو سوء إدارة الأزمة منذ البداية من جانب الحكومة الدنماركية.

والتجاهل غير الذكي لما يمكن أن يحدثه هذا الشرر الكاريكاتوري الحقير من إشعال حريق كبير مثل الذي حدث، والمكابرة غير المسؤولة من جانب رئيس هذه الحكومة برفض الاعتذار ورفض الاجتماع بسفراء الدول الإسلامية لمحاصرة الأزمة قبل اشتعال الحريق.!

إن هذه الإهانة الدنماركية الأوروبية النكراء لمقدسات إسلامية، بما أحدثته من شعور عارم بالغضب لدى كل المسلمين في العالم وبما أدت إليه من مظاهرات شعبية إسلامية مشروعة، واعتداءات غير إسلامية مدانة وممنوعة تحت غطاء الدخان الكثيف للحريق الذي لم يشعله المسلمون.

بل والذي حاول سفراؤهم إطفاءه، ومازال يحاول غيرهم إبقاءه، والذي بات يهدد بالتصاعد لمستويات وأبعاد لا يعلم مداها إلا الله، وينذر بأبلغ المخاطر على مستقبل العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، لا يزال ممكناً حصاره ووقف اتساعه واشتعاله..

ويتوقف ذلك على مدى قدرة السياسيين والعلماء الدينيين والعقلاء من المثقفين والإعلاميين في العالمين الغربي والعربي على إدارة وتوجيه الأزمة في الاتجاه الصحيح والمرغوب فيه إلى قنوات صالحة وفعالة ومشروعة تحول الفوضى الهدامة باسم الحرية في الغرب إلى حرية مسؤولة، وتحول الاشتعال الهائج والجامح باسم الغضب في الشرق إلى الغضب النبيل والبناء.

ويتوقف ذلك على مدى قدرة المسؤولين المعنيين من الأوروبيين والإعلاميين المتورطين الدنماركيين خصوصاً والأوروبيين عموماً على الارتفاع إلى المستوى الكافي من المسؤولية الأخلاقية والقانونية والإنسانية لتقديم الاعتذار قبل الحديث عن الحوار لمحاصرة النار.

مهما بدا الأمر صغيراً حسبما يظن أولئك الشهود الزور على دينهم من الذين يفخرون بأنهم يسخرون من المسيح عليه السلام، ويندهشون من غضب المسلمين على كرامة نبيهم صلى الله عليه وسلم. وكفى عبثاً لأن من مستصغر الشرر تأتي أكبر الحرائق.!

mamdoh77t@hotmail.com

كاتب مصري