حاولت قلة متطرفة في أوروبا، تعتلي صحفاً صفراء، ومنظمات عنصرية أن تسيء إلى الرسول الكريم فأحسنت إليه، من حيث لا تدري، وعلى عكس ما أرادت، وما صورت لها أذهانها المريضة بداء الانفلات الذي تسميه زورا وبهتانا «حرية تعبير» مع أن الحرية لا تعني الفوضى.
كما أن التجرؤ على عقائد الناس ليس شجاعة، بل وقاحة، من الضروري أن يكون هناك قانون دولي يضع حدا لها، ويخمدها في مهدها، حتى لا تؤدي إلى فتنة، لعن الله من أيقظها، ومن ينفخ في نارها.
ووجه الإحسان للرسول الكريم، ليست الصور البذيئة التي نشرتها صحف في الدانمارك والنرويج وفرنسا وأسبانيا، ولا بعض التعنت الرسمي الغربي والمكابرة في الاعتذار إلى أمة تشكل أكثر من خمس البشرية.
ولا حتى المبالغة في رد الفعل لدى بعض الغيورين على دينهم بحرقهم سفارات غربية، بل في «التوحد» الذي ظهر عليه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وهم ينتصرون لدينهم بطريقة عفوية وبإخلاص شديد حسدهم عليها كاردينال تشيكيا للكاثوليك.
وفي النية التي انعقدت على أن يطلق المسلمون رسالة مستمرة بكل الوسائل الحديثة الممكنة لتعريف الناس بأخلاق الرسول وفضله على البشرية، وفي اتجاه كل من منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية إلى السعي في إصدار قرار من الأمم المتحدة مصحوب بفرض عقوبات محتملة لحماية الأديان.
وأيضا في المظهر الحضاري والإنساني الذي ظهر عليه بعض رجال الدين والساسة بأوروبا وغيرها في تعاملهم مع هذه الأزمة الخطيرة، وفي إبداء احترامهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كنا نعلم الكثير عن تفاصيل غضبة العالم الإسلامي، فإن ما يجب ألا يسقط سهوا ولا عمدا من أذهاننا هو أن الغرب لم يكن كتلة واحدة في رؤية هذا الحدث الجلل، بل إن فيه رجالا ومفكرين كانوا أكثر حدة في رفض الإساءة للرسول الكريم من بعض المسلمين أنفسهم، وذلك من منطلق احترامهم لمشاعر الناس الدينية.
وتبصرهم الجلي بالقاعدة الذهبية التي تقول «إن حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين» وأن عقائد الناس ليست مجالا للأفعال الصبيانية الرخيصة، التي يرتكبها بعض المغرضين أو الملحدين.
إن المتطرفين من الجانبين سيحاولون أن يصوروا ما جرى على أنه حرب دينية بين الإسلام والمسيحية، متغافلين عن قيام بعض الغربيين بالإساءة إلى السيد المسيح عليه السلام مرارا، في أعمال سينمائية وفي صور وكتابات لا حصر لها.
وأن المسلمين في الغرب كانوا هم أكثر المحتجين على مثل هذا المسلك المعوج. كما سيحاول المتطرفون من بيننا أن يهيلوا التراب على مواقف ناصعة في الأزمة الأخيرة.
وقفها «الفاتيكان» و«الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا» وقادة الكنائس المصرية ورئيس وزراء النمسا، واتحاد القساوسة في الدانمارك الذي طالب بعدم المساس بالعقائد وبعدم إهانة الأنبياء والرسل، وكذلك حاخامات يهود انضموا إلى قافلة الرافضين لما جرى.
وفي غمرة الحدث الجلل يجب ألا ننسى عدة أمور حتى يمكننا أن نقيم ما جرى على وجه الصواب، دون تسرع أو انحياز إلى الفوضى أو الغوغائية التي لن تنتج أي شيء مفيد على المدى الطويل:
الأمر الأول أن هناك دراسات تبين أن أغلب الأوروبيين ملحدون، وأن من بين ثمانمئة مليون كاثوليكي في العالم أجمع لا ينتظم في الذهاب إلى الكنائس إلا ما يربو قليلا على عشرة ملايين شخص، وهذا أمر يجب أن يقلق المسلمين أكثر مما يفرحهم، فالمسيحي المؤمن.
كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه، أفضل كثيرا ممن لا يؤمن بالله، والإساءة للرسول الكريم لم تأت من مسيحي يدافع عن دينه، بل أتت من أناس لا يحترمون أي دين.
والأمر الثاني أن أداء الجاليات الإسلامية في الغرب لا يخدم الإسلام كثيرا، فالجهد الذي يبذلونه في تبصير الناس بحقيقة الإسلام قليل، وسلوك بعضهم يسيء إلى دينهم، كما أن انغلاقهم على أنفسهم، ورفض الإندماج الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها ويستفيدون منها يقلق اليمين الأوروبي المتطرف منهم، فينعكس هذا سلبا على الإسلام.
أما الأمر الثالث فيتعلق بالصبغة السياسية التي سيطرت على مضمون الصور المسيئة للرسول الكريم، من زاوية ربطها بين الإسلام والإرهاب، وهي صورة مستقرة في أذهان الكسالى في الغرب، الذين يصدقون ما تبثه إليهم وسائل إعلام مغرضة، ومناهج تعليمية وتربوية محرفة.
ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة، ومن بين من رسم هذه الصور ومن نشرها، حيث اعترفا في مقابلة صحافية أجريت معهما بعد تفاقم الحدث أنهما لا يعرفان كثيرا عن الإسلام، ولا يدركان شيئا عن سيرة الرسول.
والأمر الرابع يرتبط باحتمال استغلال القوة التي تبشر بصراع الأديان والحضارات في العالم هذا الحدث في البرهنة على صواب رؤيتها، وهي مسألة يجب أن يعيها جيدا العقلاء من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وأن يواصلوا الحوار الدائر بينهما، درءا للفتنة، وتحقيقا لرسالة العدل والمحبة والإخاء والسلام التي تحملها رسالات السماء.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة