في عددها لشهري سبتمبر وأكتوبر 2005، طرحت مجلة «فورن بوليسي» الأميركية سؤالا على 16 مفكرا عن الأفكار والقيم والمسلمات التي يعتقد هؤلاء انها ستختفي خلال الأعوام الـ 35 المقبلة.
تراوحت الإجابات مابين الأخلاق والدين والقيم إلى الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا. حسب هؤلاء المفكرين فان الأفكار الست عشرة التي يعتقدون انها في طريقها إلى الزوال هي:
قدسية الحياة، الأحزاب السياسية (لن اشعر بالأسف لزوالها)، اليورو، السلبية اليابانية، الزواج الأحادي، الهرمية الدينية، الحزب الشيوعي الصيني، عوادم السيارات، الملك العام، عيادات الأطباء، ملك انجلترا، الحرب على المخدرات، الإنجاب من دون تدخل، شلل الأطفال، السيادة وأخيرا الخصوصية.
لحظت ان أحدا من هؤلاء المفكرين لم يتنبأ بزوال «الديمقراطية» مثلا أو التوجه لصناديق الاقتراع خلال 35 عاما. لست أتوقع زوال الديمقراطية ولا أتمناه لكي أعطي هذا «السهو المحمود» أي تفسير مبالغ في التفاؤل بانتشار الدمقرطة. التفسير الأكثر انسجاما مع المنطق لملاحظتي هذه هو ان الديمقراطية أصبحت اقرب للمصير العالمي.
رغم هذا، فان مجرد السؤال عن الأفكار التي من الممكن ان تكون في طريقها إلى الزوال يبعث على القلق. فانا في النهاية عربي ولدي مثل ملايين من مواطني العرب في 22 قطرا عربيا قائمة طويلة من الأفكار والمسلمات التي أتمنى زوالها حتى خلال سنتين او اقل.
سنبتهج باختفاء شلل الأطفال بالطبع، لكن الأفكار المطروحة تبقى موضع جدل حتما وقد تثير القلق والسخط أيضاً، وهي ليست مسلمات وقد لا تزيد على كونها مجرد رؤى خاصة بأصحابها. ليس ثمة منطق يدعونا للتسليم بها، لكن ما من شك اننا عندما نحيل سؤالا كهذا إلى أنفسنا سنصاب بالحيرة ولربما الصدمة.
ما هي الأفكار التي قد تكون في طريقها إلى الزوال لدينا نحن؟. هل تعنينا تلك النبوءات الست عشرة باي شكل؟ هل تمسنا؟ كيف سيؤثر فينا زوال الحزب الشيوعي الصيني مثلا أو اختفاء اليورور؟ ام زوال الهرمية الدينية او قدسية الحياة أو عوادم السيارات؟.
هل يكتسب السؤال خصوصية ما لدينا؟. حقا: ما هي الأفكار التي في طريقها إلى الزوال لدينا؟. لنقترب أكثر ونتساءل حتى على سبيل الجدل: لدينا هنا في الخليج مثلا؟.
من النادر ان نقرأ عن المستقبل ومن النادر أيضاً ان نكتب عنه. نحن لا نكتب إلا عن الراهن والتفكير في المستقبل يبدو ترفا لم نجربه بعد وليس هناك ما يدعونا للاعتقاد بأننا سنعتاد عليه قريبا.
هل تعني مفردة «الخصوصية» شيئا لكم؟. ربما انها الكلمة المفتاح التي ستقودنا إلى وضع اليد على إحدى الأفكار التي هي في طريقها إلى الزوال خلال العقد أو العقدين القادمين ولربما اقل من ذلك.
تبدو «الخصوصية» أكثر من مفردة لازمة لتوصيف بعض التفاصيل التي تجعلنا مختلفين عن الآخرين، انها تتعدى هذا بكثير.
انها ليست مفردة شائعة في خطاب قائم ومستمر منذ مطالع القرن الماضي، بل انها أصبحت فعلا وحركة ومنظومة أفكار أيضا لا تزال فاعلة بقوة. فهي ليست مفردة يحتكرها خطاب النخب الحاكمة مثلا التي ظلت تقاوم التغيير بعناد دفاعا عن الخصوصية، بل مفردة شعبية أيضا. انها منتشرة عموديا وأفقيا في المجتمعات العربية.
فكل أشكال مقاومة التغيير في المجتمعات العربية، ظلت محكومة بخصوصيات لا تنتهي. وسواء تعلق الأمر بأفكار التحديث الديني أم التحديث السياسي أو الاجتماعي، ظل القاسم المشترك لدوافع المقاومة يتمحور حول الخصوصية، الخصوصية الدينية أو الثقافية أو التاريخية.
لعل هذا هو ما جعل تاريخنا موجات متعاقبة من نهضة قصيرة وردات مثلما قال أمين معلوف في كتابه القيم «الحروب الصليبية كما رآها العرب».
لكن هذا الوله بالخصوصية إلى زوال. لن يتيح لنا الاندماج الواسع في الأسواق العالمية والتجارة الحرة متسعا أكثر للتمسك بخصوصية ما، وعلى وجه التحديد ذلك النوع من الخصوصية. فالمبالغة في التمسك بخصوصية تدفعنا للعناد والمراوحة ستبدو عبئا أمام متطلبات هذا الاندماج والرغبة في العيش في عالم يحكمه تبادل المنافع.
ان الحرب على الإرهاب ليست سوى وسيلة فعالة لدفعنا إلى هذا الاندماج، أي بعبارة أخرى التخلي عن أسوأ ما في خصوصيتنا.
ولهذه الحرب أدوات ضرورية مكملة: الدمقرطة، حقوق الإنسان، نقابات ومجتمع مدني قادر على إسماع صوته من حين لأخر. لقد وصفت منطقتنا بأنها عصية على «الديمقراطية» وهي المنطقة الوحيدة من العالم في استحقاق هذا الشرف، أليس هذا نوعا من الخصوصية؟.
عندما يصل الأمر إلى حد الضغط على حكوماتنا لتغيير المناهج الدراسية وإجراء الانتخابات والقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتحسين أوضاع النساء، لن يبقى مجال للحديث أو المباهاة بان لنا خصوصياتنا، بل اننا لن نستطيع التمسك كثيرا بهذه الحجة. لم يصمد هذا كثيرا عندما وجدنا ان تلك الأوضاع التي اعتاد الناس عليها عقودا طوال بدأت تتغير.
سيتبقى لنا بعض الخصوصية بالطبع لكن ذلك النوع من التفاصيل التي لا تفعل سوى ان تميزنا عن غيرنا. عدا ان زوال ذلك النوع المعيق من الخصوصية سيأخذ معه أمورا أخرى اعتدنا عليها مثل طاعة الأبناء لوالديهم أو وجود خادمة أجنبية في كل منزل أو محاسب هندي في كل شركة. قد ندهش أيضاً لازدهار السينما الذي سيسقط اعتقادا ظل راسخا بأننا لا نستطيع إنتاج أفلام سينمائية مثل الآخرين.
كاتب بحريني