مازال الغرب ينظر إلى فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة على أنه زلزال سياسي مدمر، وكأن ما كان قبل ما يسمونه زلزالا، هو الأمن والاستقرار والسلام الذي كان يسود ربوع الشرق الأوسط.

ووصل الأمر بمن يتشدقون بالديمقراطية ويتباهون بأنهم دعاتها إلى حد تصوير «حماس» على أنها قوة معادية للسلام، ونسوا أن صعود الحركة هو تعبير عن إرادة شعب يتمتع بدرجة عالية من الوعي السياسي بحكم نضاله الطويل من أجل استرداد أرضه المغتصبة.

نسوا أيضاً أن العدو الحقيقي للسلام في المنطقة، ذلك الذي عاث في الأرض قتلا ودماراً، وأقام جداراً عنصرياً عازلاً أشبه بأسوار معتقل، استهدف من ورائه ابتلاع المزيد من أراضي شعب لم يرد له المجتمع الدولي حتى يومنا هذا حقوقه التي نصت عليها المواثيق والقوانين الدولية.

لقد تعالت من جديد أصوات هؤلاء الذين أفزعهم فوز حماس. بمجرد أن أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوته إلى زعماء الحركة لزيارة موسكو، واتسع نطاق الصراخ، وراح الإسرائيليون يصوبون سهامهم على الكرملين، حتى إن وزير التعليم الإسرائيلي مائير شتريت راح يصور دعوة بوتين على أنها فضيحة دولية وطعنة في ظهر إسرائيل.

وطالبت شخصيات إسرائيلية عديدة منها يوسي بيلين والصهيوني المتعصب أفيجدور ليبرمان باستدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو، وكأن الرئيس الروسي بوتين قد ارتكب جرما في حق البشرية. الأميركيون أيضا انتابهم الفزع من الدعوة الروسية، وأبدت واشنطن قلقها علنا وطالبت موسكو بتفسير ما تفعله.

إن صوت العقل يقول إن دعوة بوتين لحماس تكشف عن سياسة روسية متزنة تستهدف ـ على أقل تقدير ـ مد جسور الحوار مع طرف يتعرض لضغوط وافتراءات دولية. طرف اتهمه الغرب ظلما بأنه يمارس الإرهاب، ونسي المفترون عليه أنه يقود مسيرة نضال ومقاومة شرعتها المواثيق الدولية.

إن الرئيس بوتين الذي لم تنظر حكومته إلى حماس يوما ما على أنها حركة إرهابية كما تروج إسرائيل وغيرها، اتخذ موقفاً شجاعاً، كان جديراً بأن تسانده فيه أطراف أخرى، وخاصة تلك التي تنتسب مع موسكو للجنة الرباعية الدولية.

وهو موقف بالتأكيد يخدم المنطقة الملتهبة المنكوبة بحالة عدم الاستقرار على مدى أكثر من نصف قرن، وهي الحالة التي تتحمل مسؤوليتها الدولة العبرية، التي ضربت بالشرعية الدولية عرض الحائط، ولا تبالي بمقررات الأمم المتحدة التي لو طبقت بالفعل، لأمكن نزع فتيل العنف والاضطراب في الشرق الأوسط إلى الأبد.

إن صوت العقل يقول: أتيحوا الفرصة لحماس لتلتقط أنفاسها بعد الانتخابات. خاصة أن الحركة اتخذت مواقف ايجابية سريعة تؤكد رغبتها في التهدئة وفتح أبواب السلام، إذ عرضت هدنة لمدة عشر سنوات.

وأعلنت احترامها لما التزمت به السلطة الفلسطينية أمام العالم من قبل، مادام ذلك لا يخل بحقوق الشعب الفلسطيني. كما أبدت استعدادها بل والتزامها بالتعاون مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن».

والأكثر من ذلك فان مشاركتها في الانتخابات التشريعية ـ التي أسفرت عن فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي ـ يعني أنها تعترف ضمنا بشرعية السلطة الفلسطينية التي نشأت طبقا لاتفاقات وقع عليها الفلسطينيون من قبل.

إن كل المؤشرات تؤكد ـ كما قال المبعوث الفلسطيني لدى الولايات المتحدة عفيف صافية ـ إن حماس تقدر تماماً المسؤولية الملقاة عليها.

وصدق الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عندما دعا المجتمع الدولي إلى منح مزيد من الوقت للحركة قبل اتخاذ أي موقف غير عقلاني قد يضر بالشعب الفلسطيني وبالسلام في المنطقة بأسرها.