قلنا منذ البداية ان قضية الرسوم المسيئة للنبي محمد صلوات الله وسلامه عليه ليست بعيدة عن بالونات الاختبار التي يتعرض لها العالم الاسلامي من اجل قياس رد فعله ضمن نظرية الاحتواء وللتغيير التي تتبناها قوى دولية تعتقد ان الاسلام هو العدو الاول للقيم والمصالح والثقافات الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وقد اعتبرت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن اكبر دليل على تلك الفرضية من وجهة نظر اصحابها الذين وضعوا خططا كثيرة تحت عنوان الاصلاح والحرية والديمقراطية ومحاربة الارهاب لمنع اي مخاطر محتملة مستقبلا.

وسواء كان ما فعلته الصحيفة الدنماركية مرسوما ضمن الخطط المتعلقة بقياس ردود الافعال -وهذا ما تدل عليه الرسومات الخالية من اي فكرة سوى الاستفزاز المتعمد- او انه انعكاس طبيعي للتعبئة التي تعرضت لها او تشارك فيها صحف غربية معينة فان مراكز الابحاث التابعة للجهات اياها تطرح السؤال على الشكل التالي »هل ترى ردود الافعال الغاضبة في الشارع العربي والاسلامي معقولة ام مبالغا فيها؟« ومع اهمال كل الاسئلة التي يفرضها البحث الموضوعي غير الموجه فان السؤال يدل على متابعة مربوطة بالحدث الاصلي الذي بدأ صغيرا وغير ملفت للانتباه في اواخر شهر سبتمبر من العام الماضي وظل يكبر بفعل عوامل دنماركية واوروبية حتى وصل الى الحالة التي هو عليها اليوم.

الى حد الان فان صوت الشارع الذي تفوق على اي صوت اخر لا يشكل موقفا يعتد به رغم أهميته لان الجماهير الغاضبة ستعود الى حياتها العادية ان عاجلا ام آجلا خاصة بعد ان اعتذرت الصحيفة »يلاندس بوستن« التي اثارت الضجة، وتراجعت الحكومة الدنماركية عن العنجهية التي ظهرت بها في اول الامر فضلا عن تنامي الدعوات الصادقة الى ضرورة الانتباه الى جوانب اخرى غير الغضب وفي مقدمتها الدفاع عن صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما يليق بسيرته العطرة وصفاته وسننه العظيمة، خاصة بعد ان خرجت بعض المسيرات عن اهدافها العفوية الصادقة.

يجب النظر بكثير من الاحترام والتقدير للموقف الذي عبر عنه قداسة بابا الفاتيكان والذي ادان العدوان والانتهاك الذي مارسته صحف غربية ضد عقيدة المسلمين، ولا بد من لفت الانتباه ايضا الى ان العديد من وسائل الاعلام الاوروبية بما فيها الدنماركية ادانت ايضا العمل المشين الذي فعلته الصحيفة المذكورة، وجب الترحيب بموقف العديد من قادة العالم وفي مقدمتهم الرئيس الروسي بوتن على تعليقاتهم الصارمة واشمئزازهم من العنصرية التي يتم التعبير عنها باسم حرية التعبير، فمن المهم ان ندرك بان محاولة »كسر حاجز المقدس في العالم الاسلامي«

لم تنجح، واذا كانت هناك خطوات مقررة مثل هدم المسجد الاقصى مثلا فانها لن تجد طريقا تسير عليه، وهذا يعني ان الاختبار سيتواصل بطرق عديدة بحيث يتطلب الامر عملا منظما يعبر عن موقف فاعل على جميع المستويات والا فان حصر ردود الافعال في الشارع بكل ما فيه من هنات واخطاء وغوغاء يمكن التغلب عليه بحيل سهلة بسيطة.

من المفيد لنا ان نجري تقييما عاجلا لكل ما جرى وما زال يجري، لكي نعرف اولا ما اذا كان التعبير عن المشاعر يليق بسيدنا محمد الذي غضبنا من اجله صلوات الله وسلامه عليه ام انه بحاجة لصياغة جديدة، وثانيا كي نعد انفسنا لمرحلة جديدة من الدفاع عن النفس امام ما يبدو بانه انفلات لليمين المتطرف في العالم الغربي الذي بات يستخدم مفهوم حرية التعبير كي يمارس الشتم والايذاء للعالم الاسلامي وحده دون سواه بعد ان اتحد وانصهر كليا بفكر صهيوني عنصري وفي سابقة لا مثيل لها عبر التاريخ، وهو ما يتطلب تدخلا فوريا وعاجلا من العقلاء كي يأخذوا زمام المبادرة ويتحملوا مسؤولياتهم بصدق وأمانة واخلاص وشجاعة.