الصناعات الإعلامية والثقافية الغربية لها تاريخ طويل وقصص عديدة حول إشكالية تشويه صورة المسلم والعربي والإسلام. فالآلة الإعلامية الغربية تفننت في تقديم وتصوير المسلم على أنه الماكر ومحترف الغدر والخيانة والملذات والشهوات الجنسية وأنه زير نساء بامتياز. ومؤخرا جاءت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعادلة العربي والمسلم بالإرهابي والمجرم وسفاك الدماء وقاتل الأبرياء.

والقضية في عمقها وبعدها التاريخي تتمثل في صراع حضاري ثقافي ديني. فالغرب بعد انهيار الشيوعية والكتلة الشرقية جعل من الإسلام العدو الجديد والخصم الذي يجب أن يُطوق ويُحاصر ويُحتوى من كل الزوايا والجهات ويحارب بكل الوسائل والطرق ويعتبر الشماعة التي تلقى على مسؤوليتها كل هموم ومشاكل البشرية..

ما زالت تداعيات الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها الصحيفة الدنماركية ومن بعدها صحف أوروبية مختلفة والتي أساءت للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تثير المزيد من الغضب في الشارع العربي والإسلامي من نواكشوط إلى جاكرتا. وما زال التعنت الدنماركي قائما حيث عدم الاعتراف بالخطأ والاعتذار.

والحجة في هذا المقام هي حرية التعبير وقدسيتها وضرورة عدم المساس بها حسب المنظرين الأوروبيين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل باسم حرية التعبير نسمح لأنفسنا أن نسيء إلى الآخرين ومعتقداتهم ورموزهم الدينية؟ وهل تعني حرية التعبير عدم الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الآخر وثقافته ودينه؟ وهل باسم حرية التعبير نفرض قيمنا وأفكارنا على الآخر؟ وهل باسم حرية التعبير نقصي ثقافة الآخر وعاداته وتقاليده، ونفرض عليه قيمنا ونظرتنا للأشياء لا لشيء إلا لأن الغلبة لنا؟

مع الأسف الشديد ما زال الغرب ينظر للآخر على أنه متخلف وجاهل ولا يملك مقومات النجاح والتفوق، وما زالت مشاعر التكبر والاحتقار والازدراء والاستهزاء تعشش داخل وجدان العديد من صانعي الرأي العام والنخب المثقفة والشعوب في الشمال. فشل إذن حوار الحضارات وحوار الثقافات وحوار الأديان وهذا بسبب عدم احترام خصوصية الآخر وفرض قيم معينة ومعايير محددة قد تصلح لثقافة معينة ولا تصلح لثقافة أخرى. فمنطق حرية التعبير وحرية الفكر وحرية الصحافة لا يسمح بالإساءة للآخر ولا يسمح بالتجريح والتشويه والتضليل والاستهزاء وعدم احترام الرموز المقدسة ومعتقدات وديانات الشعوب.

عندما صرح الرئيس الإيراني أحمد نجاد بأن الهولوكوست أكذوبة وفبركة صهيونية قبل أسابيع قليلة شنت وسائل الإعلام والحكومات الغربية حرباً شعواء على الرئيس الإيراني ووصفته بكل النعوت والصفات، والغريب في الأمر هو لماذا عدم اعتبار تصريح الرئيس الإيراني مجرد رأي، واعتباره نوعاً من حرية التعبير وحرية الرأي.

وإذا انطلقنا من مبدأ حرية التعبير التي يتغنى بها الدنماركيون وغيرهم من المنظرين وفلاسفة الغرب، أين كانوا وأين كان هذا المبدأ، مبدأ حرية التعبير، عندما تمت محاكمة الكاتب الفرنسي المسلم روجيه جارودي لأنه كتب كتاباً كشف فيه الأساطير المؤسسة لإسرائيل وأكذوبة المحرقة (الهولوكوست) بالأدلة والأرقام والحجج والبراهين؟ وأين كان مبدأ حرية التعبير في أرض (الحرية والمساواة والأخوة) عندما تم طرد طالبتين مغربيتين من ثانوية بفرنسا بسبب لباسهما الإسلامي المحتشم؟ ومن منا لا يتذكر قضية سلمان رشدي وكتابه (آيات شيطانية) ومن منا لا يتذكر قضية الكاتبة البنغالية تسليمه نسرين.

الإساءة إلى الإسلام وإلى الرموز الدينية والمقدسات الدينية باسم حرية التعبير وحرية الصحافة والكيل بمكيالين والتلاعب بالمصطلحات والكلمات من أجل فرض صور نمطية وآليات التشويه والتضليل والفبركة والتلاعب، تعتبر من الطرق والسبل التي تستعملها الآلة الإعلامية الغربية والصهيونية منذ زمن طويل من خلال مخرجات ومنتجات الصناعات الإعلامية والثقافية العديدة.

أثارت قضية حجاب طالبتين مغربيتين في فرنسا ضجة كبيرة جدا وأزعجت فرنسا بكاملها لا لشيء إلا لأن الطالبتين المراهقتين البريئتين لبستا لباسا إسلاميا محتشما وتمسكتا بدينهما في الأرض الفرنسية. الغريب في الأمر أن السلطات الفرنسية أقامت الدنيا ولم تقعدها بسبب حجاب المسلمتين وضربت عرض الحائط كل الشعارات الرنانة والمبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية (حرية ـ مساواة ـ أخوة). فرنسا عاقبت الطالبتين المسلمتين وحرمتهما في بلد العلم والمعرفة من التعلم واعتبرت السلطات الفرنسية اللباس المحتشم مساسا بالحرية وتأثيرا غير مباشر في معتقدات الآخرين.«آيات شيطانية» مثال آخر من أمثلة الإساءة والمساس بكرامة الآخرين. الإعلام الغربي استغل الكاتب والكتاب حيث اُستقبل سلمان رشدي في باريس وفي عواصم أوروبية أخرى استقبال الملوك والرؤساء.

واُستقبل سلمان رشدي استقبال الفاتحين المحررين كالزعيم وكالمفكر الروحي حيث استضافته محطات التلفزيون والصحف والمجلات ومحطات الإذاعة مدافعة عنه باسم حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية الرأي. كل هذا بالرغم من أن كتاب «آيات شيطانية» افتراء واعتداء سافر على الإسلام والرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين حيث إن سلمان رشدي لا يفقه شيئا في علوم الدين ولا في الشريعة ولا في تاريخ الحضارة الإسلامية. كل هذا حدث والأوساط الثقافية والفرنسية تهلل وتزغرد لسلمان رشدي لا لشيء إلا لأنه أساء للإسلام ولسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. لكن الآلة الإعلامية الغربية تفننت في استغلال الفرصة لضرب الدين الحنيف ولضرب المسلمين وتشويه الحضارة والتاريخ.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة