من يشاهد شكل العبارة المصرية القابعة الآن في أعماق البحر الأحمر، والتي طالعتنا بها وسائل الإعلام المختلفة طوال الأيام الماضية، يعتقد أنه أمام سفينة الحب التي نراها في المسلسل الأجنبي الشهير. فمن غير المعقول أن يتصور المرء أن هذه العبارة بألوانها الزاهية، وطوابقها المرتفعة، وأعلامها المرفوعة، تنطوي على هذه الحالة من الضعف والتهالك.
ومن غير المعقول أن يتخيل المرء بأن عبارة بمثل هذا الحجم قد عفا عليها الزمن، وأنه يجب إحالتها إلى المعاش منذ وقت طويل. ومن غير المعقول أن يتخيل المرء أن العبارة تشتمل على مثل هذا الطاقم البحري الذي تصرف بمثل هذا الشكل العبثي في مواجهة حريق شب في العبارة. ومن غير المعقول أن يتخيل المرء وجود قبطان يعلم أن عبارته تحترق ورغم ذلك يواصل الإبحار بعيدا عن أقرب ميناء له. ومن غير المعقول أن تغرق العبارة ولا تصل إشارات استغاثة منها، وأن تبدأ محاولات الإنقاذ للعبارة الغارقة بعد ساعات طويلة من غرقها، وأن يموت مثل هذا العدد الضخم من المواطنين الأبرياء، ويلقون حتفهم بمثل هذه الشكل الإجرامي.
تغري العبارة المسافرين، وتمنيهم بالركوب، والإبحار بها، لكنها في الوقت نفسه تخفي الكثير مما لا تعلنه صراحة أمام المسافرين. فالعبارة تمارس الإبحار منذ خمسة وثلاثين عاما، ورغم تجديدها فهى متهالكة لا تحتمل الطوابق الثلاثة التي أضافها ملاك العبارة إليها. فهى تشبه حالة هؤلاء الذين يتجملون وهم ضعاف متهالكون لا ينتظرون سوى الموت مثلهم مثل العبارة الغارقة. فالتجميل قد يخفي القبح والتهالك إلى حين، لكنه لن يخفيه عن العيون أبد الدهر، كما أنه لا محالة ينذر بالكوارث القادمة إن آجلا أو عاجلا.
ولأن العبارة لم تؤمن بمبدأ العمر الافتراضي لكل شيء في الوجود فإنها أبت إلا أن تستمر في الخدمة رغم أنف المسافرين. لم تع العبارة أن لكل شيء حدوده الزمنية، وأن وسائل النقل البحري قد أصبحت أكثر تطورا وأمانا للمسافرين في معظم دول العالم. كما لم تع أن أدوارها المنوطة بها قد انتهت، وأن كل محاولات التجديد التي يقوم بها ملاك الشركة سوف تذهب أدراج الرياح. فلا العمر الزمني يسمح للعبارة بالاستمرار، ولا وسائل النقل البحري الحديثة تمكنها من المنافسة والعمل. العبارة ذاتها امتداد للواقع العام الذي نعيشه، والأجواء الكاذبة التي تحيط بنا.
ورغم هول الكارثة وفاجعة موت المئات، إلا أن الأمر برمته امتداد طبيعي لاجواء عامة مشابهة. فالعبارة استحكمت بالعباد الغلابة المسافرين، مدركة مدى احتياجهم إلى سفر رخيص ينقلهم إلى بلادهم. كما أنها لم تهتم بأى شكل من الأشكال بإجراءات السلامة والأمان لهؤلاء المسافرين. إضافة إلى ذلك، فإنها قد اعتمدت مبدأ التواطؤ سلوكا دائما ومستمرا للتعامل مع المسافرين من ناحية ومع المؤسسات الرسمية من جانب آخر.
مبدأ التواطؤ هذا هو الذي مكن العبارة من الإستمرار في العمل طوال هذه المدة. ومبدأ التواطؤ والمصالح الفردية الضيقة وضيق ذات اليد هو الذي جعل الكثير من المسافرين يقبلون بركوب مثل هذه النوعية من العبارات. ومبدأ التواطؤ والمصالح الخاصة هو الذي جعل المؤسسات الرسمية توافق على استمرار عمل مثل هذه النوعية من العبارات.
أليس مبدأ التواطؤ هو المسيطر بشكل عام على مجريات الحياة اليومية في كافة أشكالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ألا تمثل محاولات التجميل في الشكل للعبارة المتهالكة تواطؤا تشترك فيه الشركة المالكة مع المسافرين مع المؤسسات الرسمية. ألا يمثل تجميل الشكل المخالف لواقع الحال وضعا من أوضاع الخداع والتواطؤ يشترك فيه المسؤول والمواطن والمؤسسات ذاتها.
ولأن العبارة المتهالكة امتداد للواقع المتهالك، فإن طاقمها لن يكون سوى جزء من حالة التهالك العامة والأجواء الآيلة للسقوط والتداعي. فالقبطان لا يمتلك ذلك التصور الذي يفرض عليه أنه مسؤول عن أمان المسافرين، وأن مهمته الأساسية أن يصل بهم إلى بر الأمان. إنه مثل ملاك الشركة، يتعامل مع الموقف بوصفه الحاكم العام للعبارة، الأعلى مرتبة، الذي يحق له التصرف كيفما شاء وكيفما يتصور.
وبغض النظر عن كونه يصلح من الأساس لقيادة العبارة، فكونه في موقع القيادة يمنحه حرية التصرف، وبشكل أكثر دقة، حرية التجمل والتحلي بمظاهر القيادة والسيطرة. إضافة إلى ذلك، ومن موقف إحساس القبطان بأهميته، فإنه في حالة حدوث كارثة يجب أن ينجو بنفسه أولا وليذهب الركاب إلى الجحيم.
فلم يكن من الممكن أن يتصرف القبطان بمثل هذا المنطق المخالف للأعراف الملاحية بدون هذه النظرة الإستعلائية تجاه الركاب الغلابة. وهو الأمر الذي لم يمنحه القدرة في النهاية سوى على النجاة بنفسه، وترك مصير الركاب الغلابة عرضة لأحكام القدر. وهو الموقف نفسه الذي يرتبط بمن يتجملون في الحياة اليومية، بمظاهرهم الخادعة، وهم لا يمتلكون امكانية تسيير شؤون الحياة اليومية لعباد الله الغلابة، ويوفرون فقط عناصر الأمان والحماية لأنفسهم بغض النظر عما يلحق بالآخرين.
يثير غرق العبارة المصرية العديد من الشجون والأحزان، لكنه يجب ألا يمنعنا في الوقت نفسه من رؤية الأمر في سياق العديد من الكوارث البرية والبحرية والجوية التي يشهدها المجتمع المصري في السنوات الأخيرة. وهو الأمر الذي أصبحت تشكل فيه هذه الكوارث حالة طبيعية واعتيادية في حياة المصريين المعاصرين. وربما كان العدد الضخم من الضحايا هذه المرة هو السبب في هذا الاهتمام الإعلامي المصري. واللافت للنظر هنا أن هذا الاهتمام جاء بشكل تجميلي أيضا مثله مثل العبارة الغارقة، من باب تناول الحدث لا أكثر ولا أقل، إلى الحد الذي كانت فيه القنوات الفضائية العربية أكثر الماما بالحدث ومستجداته من الإعلام المصري.
لن يهم في هذه الحالة معاقبة المسؤولين، أو حتى التضحية برأس وزير ما، فكل هذه الأمور لم تعد تجدي فتيلا، كما أنها لن تعيد المئات الذين وافتهم المنية بين أعماق البحر الأحمر. فالمسألة لم تعد رهن بوزير وعلى ما يبدو أن الكوارث قد أصبحت الآن هى البديل الوحيد في كثير من دول العالم. فالعبارة الغارقة لم تقبل الإحالة إلى المعاش والخروج من الخدمة إلا بمثل هذه الكارثة التي كشفت عن عوراتها بشكل واضح لا يحتمل التأويل والتفسير.
كاتب مصري