تقوم القوى الفلسطينية، خاصة حركة حماس التي حققت فوزاً باهراً في الانتخابات الأخيرة، بجولات ولقاءات عربية موسعة. وقد دارت مشاوراتها حول أمور كثيرة، أهمها التنسيق والتعاون وإمكان قيام بعض العواصم بدور الوساطة وتقريب وجهات النظر، بين هذه القوى. فالمرحلة جديدة وتحدياتها مصيرية. فضلاً عن أن المعادلة الفلسطينية التي انبثقت عن الانتخابات، تعوزها التجربة، ثم أن العواصم العربية المعنية بهذه الزيارات لها تاريخياً علاقات خاصة بالقضية الفلسطينية.
فضلا عن أنها تتمتع بالثقل الاقليمي والدولي؛ الذي يمكنها من توفير قدر من الدعم والمساعدة للوضع السياسي الناشئ، في الأراضي الفلسطينية. وهي مساعدة يحتاجها هذا الوضع، في اللحظة الراهنة، التي يتعرض فيها لضغوطات وحملات تشويه وتأليب؛ فضلاً عن التهديدات المتتالية بقطع المساعدات المالية عنه ومطالبته بتلبية شروط إسرائيلية تعجيزية.
من هذه الزاوية، تبقى الورقة العربية مهمة وضرورية بالنسبة للفلسطينيين؛ في الوقت الحالي الانتقالي، بشكل خاص. لكن الأهم هو ترميم البيت الفلسطيني الداخلي، لأنه الأساس، ولا يستقيم الترميم إلا إذا حصل بالأيدي المحلية، فالوضع مصاب بالرضوض والأعطاب من زمان. ذروتها كانت في حالة الفلتان الأمني الذي ساد خلال الفترة الماضية.
ثم جاءت الانتخابات لتوسع الشرخ فوق الساحة وكان من الطبيعي أن تعمل إسرائيل على توظيف الثغرات واغتنام الفرصة لصب الزيت على نار الخلافات والانقسامات؛ للإمعان في تنفيذ سياساتها الأمنية والالحاقية. وريث شارون وصاحب المشروع الأحادي الجانب أفصح في حملته الانتخابية عن اعتزامه ضم 40% من أراضي الضفة ـ الاحتفاظ بوادي الأردن بطول 150 كيلومترا مع المستوطنات الكبيرة والقدس ـ وضمها لإسرائيل ورسم حدودها النهائية على حد زعمه.
وفي المدينة المقدسة يجري شق طريق بعرض ثلاثين متراً وبطول عشرات الكيلومترات؛ في محاولة لخنق أهالي القدس الشرقية وحملهم بالنهاية على ترك المدينة. بالترافق مع ذلك صعد أولمرت سياسة الاغتيالات ـ 11 قيادياً فلسطينياً في 4 أيام ـ التي يبدو أنه اعتمدها كأحد عناصر حملته الانتخابية؛ والمرشحة للمزيد من التصعيد. خاصة ان المنازلة بينه وبين نتانياهو تعتاش على المزايدة حول من يكون الأكثر تشددا وعنفاً مع الفلسطينيين.
يجري كل ذلك ـ الأمر الذي يشير إلى أن الآتي أعظم ـ والوضع الفلسطيني لم يخرج بعد من حالة التراشق السياسي والتباعد. فبعض التقاذفات لا تخلو من لغة الاتهامات بـ «الاستسلام للضغوط والانقلاب على الأولويات»؛ أو «بتعريض المشروع الوطني وإقامة الدولة، للخطر». الأمر الذي استدعى ردوداً مماثلة. وتواكب مع هذه الأجواء الكشف عن فقدان 700 مليون دولار من مالية السلطة وتوقيف مسؤولين وهرب آخرين؛ مع كل ما يعنيه ذلك من استشراء للفساد ونشر للغسيل.
كما ازداد الانفلات في الوضع الأمني حيث قام مسلحون بطرد هيئات أوروبية من الأراضي الفلسطينية وإقفال مراكزها. ومهما كانت النوايا والحقائق؛ فإن ذلك لا يؤدي سوى إلى ارباك الوضع الفلسطيني ومحاولة لإيقاع ذات البين بين أطرافه. فهل ينتفض هذا الوضع على نفسه ويقوى على تجاوز الماضي من خلال العثور على صيغة ائتلافية تفرضها اللحظة الراهنة ويوجبها وقف التآكل في جسمه؟