تاريخياً لم يشهد الحكم العربي اتجاهاً صحيحاً، إلا زمن الخلافة الراشدة، حتى إن ذهاب دولة، وإحلال أخرى بديلاً عنها يعني ذبح العديد من الفقهاء والعلماء وبقايا تلك الحكومة، وفي عصرنا الراهن الذي يمكن إيجازه بقرن عشنا الصور المقلوبة، بمعنى أن رحيل الاستعمار الذي أوجد ديموقراطيات ناشئة، أجهضها أصحاب الثكنات العسكرية، الذين اهتموا بحشد الأسلحة على حساب رفع إنتاج الحقل، وبناء المصنع، وتأسيس الجامعة والمعهد حتى يتم مزج التطور التقني بالبشري..

رفض العسكر وصول جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر التي انتصرت على سياسة التغريب في محور التراث العربي، وحاول سوار الذهب الذي قام بانقلاب في السودان لتصحيح مسار الدولة وإخراجها من المراهقة اليسارية إلى الديموقراطية، وكان انسحابه من الحكم وتسليمه سلطة وطنية حلماً أراد من خلاله خلق بادرة جديدة في رفض مغريات السلطة، والنتيجة انتكاسة أخرى..

الآن نشهد أزمة تشكيل حكومتين في العراق، وفلسطين، وهما من اقترعتا لصالح نظام ديموقراطي، يؤسس لاتجاه جديد في النظام العربي، إلا أن الإشكال في العراق جاء نتيجة لتعقيدات داخلية طائفية، وقومية وقبلية، والمظهر العام يؤكد أن الذين ستعلن أسماؤهم لن يخرجوا عن حزام رجل الدين، ومع ذلك ترى أمريكا أن هذا الانتقال مقبول، لأن الانتخابات جرت تحت إشرافها، وأن لها مؤيدين في صفوف أكثر من جبهة..

في فلسطين كانت مفاجأة انتصار حماس، قاصمة لأظهُر كثيرة وخاصة إسرائيل وأمريكا، لأنهما لا تريان فيها إلا النموذج الإرهابي، وحتى فتح حاولت التضييق عليها نتيجة الصدمة غير المتوقعة بهذا الانتصار، وكان من المفترض أن تكون تربية رجل المقاومة أصيلة ومتعالية على الخلافات، أمام خصم قاتل ومحتل، لترقى المسؤولية على كسب كرسي في الدولة، أو منصب مهم..

في دول من العالم الثالث، وخاصة أندونيسيا، والفلبين، وأمريكا الجنوبية، حدث انتقال السلطة بشكل عادي، حيث بارك المهزوم انتصار الفائز احتراماً لإرادة شعوبهم، لكننا في الوطن العربي إذا لم نقم بانقلاب يلغي هذه الشرعية، فإن حالات من التخريب، والنواح والاستعانة بدولة خارجية جزء من حالة الغضب، ولذلك فإن بناء الديمقراطية في الدول العربية يحتاج إلى تمارين عقلية وسلوكية، وثقافة تعي أن الأدوار المطلوبة، قبل أن ترى حكومة خارجة أنها فقدت امتيازات تعتبرها حقاً طبيعياً، أن الإرادة الشعبية فوق الشبهات، وإلا فأهلاً بالمستبد العادل..