مع تحقيق حماس لفوزها الكاسح في الانتخابات الفلسطينية ساد اتجاه بين المحللين الغربيين والإسرائيليين، يرى أن إيران قد اقتربت من الأراضي الفلسطينية، وان حماس سوف تؤسس دولة على النمط الإيراني في غزة والأراضي الفلسطينية الخاضعة للسلطة الوطنية،

وهذا الأمر يساعد إيران على تمديد دورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وقد بدأ هذه التحليلات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو، وسار على دربه العديد من المحللين.

وهذه المقولات لا تنطلق من معطيات التحليل العلمي لأوضاع المنطقة في ظل الفوز الذي حققته حماس وإنما يقصد القائلون به تحقيق مكاسب على أصعدة أخرى منها ما يخص الصراع الحزبي الداخلي في إسرائيل ورغبة زعماء «الليكود» بالذات في استنفار عنصر الخوف لدى الناخب من كل من حزب العمل الذي تحقق الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني في عهده، وحزب كديما الذي حدث ما حدث في الانتخابات في ظل قيادة زعمائه للدولة العبرية.

وهناك من يطرح هذه التحليلات لأهداف تتعلق بالرغبة في عزل حماس وحصارها وهي تحقق نصرها الانتخابي مستثمرا في ذلك تطورات الملف النووي الإيراني، المثارة حاليا ومخاوف الغربيين من تكرار التجربة الإيرانية في دولة أخرى في الشرق الأوسط،

وبالتالي يحاول أصحاب هذا التحليل أن يستثمروا الحملة الأميركية الموجهة ضد إيران ليحققوا بها هدفهم إزاء حركة حماس وبالتالي يضربون عصفورين بحملة واحدة، وأياً كانت الأهداف المرجوة من هذه التحليلات،

فهي تسعى لتوظيف عناصر موجودة ومعطيات راسخة من اجل التوصل إلى نتائج غير مرتبطة بها من الأساس. مثل أن إيران دولة ذات طابع أصولي مثلها مثل حماس الحركة الأصولية، وكل ذلك من دون التوغل في الفرق بين الأصوليتين،

ومثل إن إيران على صعيد الخطاب والممارسة تؤيد حركة حماس، ولكن من دون التوغل في طبيعة المساعدات التي يمكن أن تقدمها هذه لتلك، والملاحظ أن معظم من طرحوا هذه التحليلات ليسوا من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط خاصة أي من الشأنين الإيراني أو الفلسطيني، وهو ما جعل مقولاتهم تتصف بالعموميات، وغلب الطابع الأيديولوجي على التحليل المنهجي.

وبداية لابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية وهي تكتيكات حماس واستراتيجيتها في مرحلة ما بعد تحقيق الفوز في الانتخابات سوف تختلف جذريا عن ذي قبل، وهذا الأمر يعني أنها لن تضع العمليات العسكرية بأي صيغة من الصيغ (عمليات استشهادية أو عمليات عسكرية ضد أهداف عسكرية إسرائيلية) ضمن أولوياتها المتقدمة، وهذا الأمر سوف يفرض عليها خريطة جديدة من التحالفات لن تكون إيران من بينها في غالب الأحوال،

وبالتالي فإن كانت إيران تدعم حماس الآن فلم يعد مطلوباً منها هذا الأمر بعد الانتخابات، خاصة وان هناك قوى دولية ستضع شروطا أمام حماس من اجل الاستمرار في تقديم المعونات الاقتصادية والتنموية للشعب الفلسطيني، وأيضاً من اجل السماح لها بالتفاوض على مراحل أخرى من السلام مع إسرائيل،

ومن البديهي أن الابتعاد عن إيران سوف يكون احد الشروط المتقدمة التي ستفرضها قوى دولية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأخرى إقليمية مثل مصر والأردن، وسوف تكون حماس في حاجة لعون ومساعدة هذه القوى خلال المرحلة الحالية أكثر من حاجتها لدعم ومساعدة إيران،

فاعتبارات السلطة والحكم أو المشاركة فيه والسعي من اجل تحقيق نجاحات لصالح الناخبين سوف تعلو على الاعتبارات الأيديولوجية والعمل من خارج النظام ومعارضته تختلف عن العمل من داخله، وبالتالي، فان المؤشرات الحالية في أعقاب فوز حماس بالانتخابات ترجج ابتعاد إيران عن فلسطين وتطوراتها وليس اقترابها منها كما تقول معظم التحليلات التي اشرنا إليها.

على الجانب الآخر، فإن هناك أسباباً إيرانية تحد من استثمارها لفوز حماس حتى تمدد من نفوذها السياسي في المنطقة، فمن جهة تسعى إيران في الوقت الراهن إلى الحد من تأثيرات ملفها النووي بما لا يطور الأمور إلى عقوبات اقتصادية أو عمليات عسكرية مضادة لها،

وهذا الأمر هو أحد أسباب تعاملها الحذر مع الملف العراقي الذي كان يمكنها استثماره من اجل تأكيد أنها أصبحت رقماً صعباً في معادلات المنطقة لكنها لم تسع لذلك وهو ما يؤكد أنها سوف تتعامل مع الملف الفلسطيني بنفس الحذر والبرجماتية،

وهي من الناحية العملية البحتة لابد وان ترغب في نجاح حماس وهو ما يعزز على المدى البعيد من نفوذها السياسي في المنطقة وهذا النجاح لابد أن يتحقق بعيداً عنها،

من هنا ليس من المستبعد أن تنصح إيران حماس بإبداء بعض ـ وليس كل ـ المرونة من اجل تحقيق هذا النجاح والدخول إلى العملية السياسية في المنطقة وهو ما يتحقق بتحالفات أخرى سبق لنا الإشارة إليها.

من هنا فإن التحليل المنطقي هو أن إحدى بدايات حصار إيران وإبعادها عن قضايا المنطقة ـ حتى ولو لفترة زمنية محددة ـ هو ما حققته حماس من انتصار في الانتخابات الأخيرة؟ وهو ما يفسد تحليلات الإسرائيليين، أو على الأقل يؤكد أنها ليست صائبة في كل الأحوال.

كاتب مصري