زعمت الإدارة الأميركية، على لسان المتحدث الرسمي في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، أنها تقارب قضية الإساءة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، «بموقف متوازن». وأضافت انها إذ تتفهم غضب المسلمين ضد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم، إلا أنها تأمل أيضاً في إدانة «خطاب الكراهية» ضد المسيحيين واليهود!
من حيث المبدأ، لا خلاف بشأن إدانة أي نوع من خطاب الكراهية. لكن لماذا حشر هذا الأمر في القضية المطروحة التي أثارتها الرسوم الاستفزازية الحمقاء التي نشرتها صحيفة دنماركية وتبعتها في ذلك وسائل إعلام أخرى أوروبية وغيرها؟
إن استحضار مثل هذا التوازن المزعوم يبدو وبوضوح أن الغرض منه إيجاد معادلة متوازية تؤدي إلى منح أسباب تخفيفية للرعونة الدنماركية والأوروبية الفاقعة بعنصريتها. وهي موازاة في غير محلها،
بل إنها تساعد على مفاقمة الأزمة المتصاعدة أصلاً، وتزيد من قابليتها على تفريخ تعقيدات وردود تتناسل عن بعضها بغير انقطاع بحيث نكون في أزمة فنصبح في أزمات.
ويزيد من تفاقم الخطر أن القضية هي من النوع شديد الالتهاب. ولأنها كذلك فهي بحاجة إلى التبريد الإيجابي وليس إلى التسخين ولن يتحقق ذلك إلا باعتذار دنماركي واضح وصريح.
الموقف الأميركي كان في البداية على قدر كبير من التوازن والإنصاف، إذ بادر إلى الاعتراض على الإساءة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام واعتبرها ولو ضمناً، خارجة عن نطاق حرية الرأي والتعبير. أدرك، على ما بدا، مدى الحساسية وشدة الخصوصية، في الموضوع، كما أن وسائل الإعلام الأميركية اختارت الابتعاد عنه. فلم تنشر الصور.
لكن لغة الموازاة التي تحدثت بها إدارة الرئيس بوش، أول من أمس، وتشديدها على «أهمية حق الناس في التعبير عن أفكارهم وحرية الكلام في المجتمع»، قد تشكل حافزاً، إن لم نقل ضوءاً أخضر، للإعلام الأميركي كي يحذو حذو بعض الصحف الأوروبية والدولية، التي أعادت نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
لا خلاف على حق الناس في التعبير، ولا توجد مشكلة في هذا المقام. لكن لا خلاف أيضاً على أن لهذه الحرية، كأي حريات أخرى، حدوداً وتخوماً معروفة ومعمولاً بها، أولها احترام مقدسات وأديان الآخرين، ثم انه وقد حصل تجاوز لهذه الخطوط،
فينبغي أن يصار إلى الاستدراك والتراجع عبر الاعتذار وإعادة النظر في هذا المفهوم المغلوط للحرية، لا سكب الزيت على النار، خاصة عندما يكون الانتهاك قد حصل لخطوط لا تحتمل المس أصلاً؛ وهي معروفة. وعلى افتراض أنها غير معروفة، جدلاَ؛ فإن ردة الفعل التي اكتسحت ساحة العالم الإسلامي كانت كفيلة بتوضيح الأمور.
مع ذلك لم تحصل إعادة نظر؛ ناهيك بالاعتذار للمسلمين؛ رغم المطالبات. على العكس حصل ما يفسر على أنه إمعان في التحدي وإصرار على جرح المشاعر عمداً. الأمر الذي يهدد بأن ينقل هذه الأزمة إلى محطة متقدمة من التصعيد. لذا بات من الواجب تطويق التفاعلات وفرملة التمادي في التأزيم.
ويشمل ذلك ضرورة التحكم في ردود الفعل التي أدى بعضها إلى إلحاق الأذى بالقضية بسبب ما استبد من انفعال ويشمل ذلك أيضاً توقف الولايات المتحدة عن صب الزيت على النار عبر تصريحات يفهم منها دفع الدنمارك إلى التشدد وعدم الاعتذار،
ولذا يجب على الولايات المتحدة أن تقول الحق أو تلتزم الصمت المبين، فذلك أجدى وأنفع لحل الأزمة، لأن هذا الموقف الجديد يجعل أميركا غير بعيدة عن تهمة تعقيد الأزمة ومفاقمتها.