أشعر بغيرة شديدة وغيظ أشد عندما أجد مدى قرب المسافة بين أصحاب الفكر وصانعي القرار في الغرب.. ومدى الاهتمام والمراجعة للأفكار مهما كانت صبغتها.. حتى ان آليات المواجهة والتحريض والتحديث يتم استقاؤها من أطروحات المفكرين الغربيين.

ومنذ فترة قصيرة مرت ذكرى وفاة المفكر الجزائري مالك بن نبي مرور الكرام. ولم أسمع عن أي احتفاء بهذا الرجل سوى في مجلة «حوار العرب» البيروتية، التي أعدت ملفاً استقرائياً قيماً عن أطروحات بن نبي الإصلاحية، الأمر الذي كان يتوجب معه توسيع دائرة الضوء عن مشاريع الرجل النهضوية.

ومع ذلك لم يعد يجدي نفعاً ان نظل نحتفل بميلاد هذا ووفاة ذاك، ما لم توضع هذه الأفكار في إطار القراءات العملية لأحلامنا الإصلاحية التي ازدادت وتيرتها الدعوية، خاصة ان أفكار بن نبي ذات حس خلدوني معاصر، لأنها تمثل مدخلاً بالغ النفاذ إلى طبيعة الركود والتخلف الذي تعاني منه مجتمعاتنا.

واذا كان علم الاستشراق يعني قراءة الشرق بعيون غربية، وعلم الاستغراب، الذي مهد له الدكتور حسن حنفي، يعني قراءة الغرب بعيون عربية، فلا ضير ان نستحدث ما يسمى ب«علم الاستعراب»، أي التنقيب عن قوانينا الاجتماعية والفردية بأيد ذاتية بدلاً من استيراد مرايانا من الخارج.

والحقيقة لست متأكداً من صحة كلمة «الاستعراب» لغوياً واصطلاحياً، لكن قصدت ان نعيد النظر بجدية وتفحص مسؤول في بضاعتنا الفكرية، ووضعها بين أيدي من يريدون رفعة الأوطان واصلاحها، حتى لا تظل محكمة التاريخ تبحث عن المتهم الحقيقي بتأصيل الخراب والكسل الحضاري في حياتنا.

وما يميز دراسات مالك بن نبي انه وضعها جميعاً تحت عنوان «مشكلات الحضارة» ما يدل على سعيه العميق إلى تلّمس جذور الاشكاليات التي تواجه الأمة الإسلامية والعربية.

والالتماعات التي نصعت في أطروحات بن نبي كثيرة، حتى أنه يصعب مجرد الإشارة إلى جلها، نذكر منها حديثه في كتابه «شروط النهضة» عن ان مشكلات النهضة تتحدد في ثلاث دوائر هي: «الإنسان والتراب والوقت». أما الإنسان فهو عمود الخيمة في أي مشاريع إصلاحية، شرط ان يكون قادراً على التعريف بنفسه،

ومعرفة الآخرين دون تعالٍ أو تجاهل.. وأن منهجية الوصول الى نتائج مرضية يبدأ بالحوار المتسق مع الهدف النهضوي، فكأنه يشير الى تضارب خطاباتنا العصرية حول إصلاح الأمة، مثلما حدث مع أهل بابل عند تشييدهم لبرج بابل.

أيضاً أشار بن نبي إلى أشياء جد مهمة منها ان المحيط الحضاري يتكون من ثلاثة عوامل هي: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء، مؤكداً ان انتكاسة الأمة تتمثل في فقر الأفكار، وانحشارها في تمجيد الأشخاص، والانغماس في تكديس الأشياء ظناً منها، أي الأمة، ان الأخيرة هي الطريق الأمثل للحاق بركب الحضارة الغربية.

وفي هذا السياق فرق بن نبي بين الثروة ورأس المال شارحاً وظيفة كل منهما بالنسبة للمجتمع الإسلامي.ورغم ان بن نبي تحدث عن عيوب الإنسان العربي والمسلم مثل تسهيل السهل وتصعيب الصعب وفي الحالتين نصاب بالكسل والجمود.

وكذلك انشغال الفرد المسلم بالحقوق على حساب الواجبات. لكن في اعتقادنا ان من أهم مقولات مالك بن نبي حديثه عن القابلية للاستعمار، وهي الانقياد التام للإرث الاستعماري بعد رحيله مثل صلاحية هيمنة الأفكار الغربية، والاعتقاد التام بثبات مفاهيم القوة والغلبة.

ما أشرنا إليه سابقاً ليس فيضاً من غيض، بل سطراً في سفر فكري مهيب، ومالك بن نبي لم يمارس كما يعتقد كثيرون جلد الذات لأنه تحدث عن «هوات» وأيضاً طريقة ردمها عبر استدلالات رياضية وقرآنية ونبوية وتاريخية وفيزيائية، الأمر الذي يستأهل معه ان توضع أفكار هذا الرجل على مرمى آمالنا وطموحاتنا التائهة.