في المسافة الافتراضية بين الحياة والموت انحشر الآلاف من أهالي ضحايا «عبارة الموت» المسماة السلام 98حتى الساعة، يصارعون أمواج هلع وحيرة وفقد أعتى من أمواج مياه البحر الأحمر التي ابتلعت ذويهم الغرقى، تتقطع بهم السبل ويكاد خيط أمل واه في العثور عليهم يطيح بالبقية الباقية من عقلهم الذي أضناه وأنهكه طوفان الإهمال والاستهتار بحياة البسطاء من أهل مصر،
أصحاب السواعد العفية والأيدي «العرقانة» المتشققة من جهد بناء الوطن والبحث عن لقمة عيش شريفة لم يدنسها الحرام، ولم يختلط بها قوت سارقي أموال الشعب وناهبي ثرواته أولئك الذين يكدسون ثروات تكونت من ريع الفساد وأكل السحت ومص دماء الفقراء «الشغيلة».
خلافا للشائع في حوادث غرق السفن والعبارات، لأسباب قدرية أو لتقلبات مناخية مفاجئة أو غضب هادر للمحيطات والبحار، جاء حادث غرق عبارة الموت المصرية التي ترفع علم «بنما» من صنع البشر من ألفه إلى يائه، من صنع بشر أدمنوا الغش والخداع والاستهتار بحياة الإنسان،
وأغرى قانون حماية الفساد وسطوته هؤلاء على المضي دون اعتبار لأي سلطة أو قانون عادل، يلزم الناقل البحري بضمانات تكفل سلامة الركاب خلال نقلهم ، وزاد من هول الكارثة ان طاقم العبارة اظهر للركاب قدراً من الإهمال والاستهتار بحياتهم يفوق قدرتهم على التحمل،
ففي البداية عندما اندلعت نيران الحريق في مرآب السيارات، لم يلتفت قائد العبارة لمخاوفهم وابلغهم حسب شهادات الناجين ان الحريق تحت السيطرة، ورفض العودة إلى ميناء ضبا السعودي حرصا على الا يكلف الشركة أي مبالغ إضافية، أي ان الربح المالي لديه أهم من أرواح البشر.
وهذا هو جوهر المشكلة، الذي ينبغي ان يمسك التحقيق بخيوطه حتى تصل يد العدالة إلى المسؤول الحقيقي الذي يكدس ملايين الدولارات في بنوك أوروبا، اقصد دون لف أو دوران المسؤول في كارثة عبارة الموت المصرية هو صاحب الشركة حامل الحصانة البرلمانية والمعين في مجلس الشورى بقرار،
رغم انه يستنكف عن رفع أعلام مصر على بواخره وسفنه وعباراته التي تحتكر نقل الركاب والبضائع بين مصر وموانئ البحر الأحمر العربية، والتي تتنقل وهى ترفع علم بنما، تهربا من الوقوع في شرك الحظر أو المنع من العمل، مثلما هي ممنوعة من دخول موانئ أوروبا لافتقادها أبسط معايير السلامة.
وهناك من الأسباب ما لا يحصى على ان صاحب شركة السلام هو المسؤول الأول عن أرواح المئات من الضحايا، أولاً لأن هذه العبارة منتهية الصلاحية بإجماع الخبراء الذين لم يكتموا شهاداتهم، ولم يلتفتوا لبراعة التحايل على القوانين، او شراء شهادات صلاحية من جهات متخصصة في منحها لمن لا يستحق،
طالما ان الذي سيدفع الثمن هو المواطن المصري البسيط الذي هانت روحه على الجميع ولم يعد احد من أهل «القرية الذكية» يلتفت إليه، بل يعتبره عبئاً على ميزانية حكومة رجال الأعمال وخصماً من الأرباح المتوقعة.
والحقيقة ان مصر لم يبنها سوى هؤلاء الضحايا البسطاء الذين يتقدمون الصفوف عند المحن لصد أي أذى ولقطع يد أي عدو، لكنهم منسيون في المغانم، يموتون غرقى وتتغذى على أجسادهم اسماك وحيتان البحر، بعد ان مص دماءهم حيتان الفساد، الذين لم يرتعدوا طالما ان من تنتهي مخدوميته او صلاحيته منهم يكرم بمناصب شرفية بدلا من ان يساق إلى ساحات المحاكم.
مع ذلك لن يفارقنا الأمل في ان كفة الميزان سيأتي يوم لترجح العدل على الظلم، ففي مصر رجال وهيئات وجمعيات ومجتمع مدني يتحرك بهذا الاتجاه، وفيها قضاء عادل، لن يعمي عيونه عن ملاحقة قتلة المصريين مع سبق الإصرار والترصد.
وفى مصر أيضاً رجال أعمال وطنيون شرفاء يستثمرون أموالهم لبناء منشآت وتصنيع منتجات تحمل اسم مصر، وليسوا مثل هؤلاء الذين يرفعون علم بنما لتكديس الثروات بالتحايل.