اجتياز المجتمع الكويتي أزمة «بيت الحكم» التي شغلت الرأي العام في الأسابيع الماضية بسلام وسلاسة إنما يعود الفضل به، في المقام الأول والأخير، إلى قوة مجتمعه المدني وترسخ مفاهيم الديمقراطية في وجدان شعبه.
ولعل اختيار الحاكم الجديد من قبل مجلس الأمة الكويتي سابقة تاريخية مهمة تضاف إلى سجل هذا المجتمع في دأبه على المطالبة بالمشاركة الشعبية في صنع القرار، فضلاً عن إنها تذكرنا بتحرك الكويتيين الأول في العام 1921 حينما رفعوا عريضة كانت من بين مطالبها إضافة إلى إنشاء مجلس للشورى،
ذلك المطلب الذي تصدر وثيقتهم والذي نص ـ كما يورده سيف مرزوق الشملان في كتابه من تاريخ الكويت ص 195 ـ على «إصلاح بيت الصباح كي لا يجري بينهم خلاف في تعيين الحاكم».
والمجتمع المدني مفهوم راج في الآونة الأخيرة وهو يشير إلى النشاط الجماعي الذي يقوم به أفراد المجتمع طوعاً تحقيقاً لأهداف وغايات مشتركة، باستقلال عن أجهزة الحكومة ونشاطاتها. والنشاط المدني ذاك يتبلور في مؤسسات تقوم إدارتها على الانتخاب وفقاً لأعراف أو لوائح تنظم العلاقات بين أفرادها.
ولقد انتهينا للتو (كاتب هذه السطور والدكتور محمد الرميحي والدكتور عيسى السعدي) من بحث مطول، عن المجتمع المدني في الكويت، قيض لكاتبيه الاطلاع على كثير من المعلومات والأرقام التي تزخر بها مؤسساته النابضة بالحياة.
ففي الكويت 59 جمعية نفع عام مشهرة ينتمي إلى عضويتها أكثر من 35 ألف شخص، لعل أكبر تلك الجمعيات من حيث العضوية جمعية المعلمين (8693 عضواً) والمهندسين (5255 عضواً) والجمعية الطبية (1895 عضواً) والمحامين (1565).
ولا تدخل في تلك الحسبة جمعية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الكويت (1200 عضو تقريباً) أو الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وفروعه المتعددة في الداخل والخارج، حيث تشكل جمعيته العمومية حوالي عشرة آلاف طالب، فضلاً عن التشكيلات النقابية الموجودة في المعاهد التطبيقية والجامعات الخاصة التي انتشرت في الآونة الأخيرة. ومن المعلوم أن هذه التنظيمات غير مشهرة إلى الآن.
بيد أن الأرقام قد تكون مضللة ـ كما نعلم طلبتنا في الجامعة. فلو ألقينا نظرة على عدد أعضاء الجمعيات الدينية الخمس (بالذات الإصلاح وإحياء التراث) والجمعيات النسائية التي تدور في فلكها لألفيناها لا يتعدى عضويتها بضع مئات قليلة من الأعضاء!!
لكن واقع الحال يقول انها ناشطة على كل صعيد، يكفي سيطرتها على الوسط الطلابي وعلى عدد كبير من المؤسسات الشعبية وحضورها القوي في مجلسي الأمة والبلدي وفي الجمعيات التعاونية والنقابات وغيرها.
ومن نافل القول أيضاً ان للجمعيات الخمس 16 لجنة خيرية مرخصة، و87 لجنة خيرية غير مرخصة (وهذه فقط التي توفر أرقام عنها) تغطي نشاطاتها جميع مناطق الكويت، وهي تجمع مبالغ طائلة، من أوجه الإحسان المختلفة يضيق المقام لسردها.
إن ما يعلل نقص العضوية في تلك الجمعيات الدينية وحتى في كثير من جمعيات النفع العام الأخرى هو قلة المنافسة الانتخابية أو بالأحرى انعدامها، فأعضاء مجالس هذه الجمعيات عادة ما يصلون إلى مناصبهم بالتزكية.
وأصبحت كثير من تلك المؤسسات شبه مغلقة لا تتجدد بها القياد. فمن بين 27 جمعية (من غير الجمعيات الخمس الدينية) احتفظ رؤساء 25 جمعية بمراكزهم خلال الأعوام 2001 ـ 2005، بل أن أحد هؤلاء الرؤساء يتصدر رئاسة أربع جمعيات في آن معاً خلال تلك المدة!!
أما العضوية في الأندية الرياضية والجمعيات التعاونية فهي عنصر مهم لحيوية انتخاباتها التي في كثير من الأحيان تشبه «حرب داحس والغبراء»!!. ففي حين يبلغ مجموع لاعبي أندية الكويت الثلاثة والعشرين 12147 لاعباً نجد أن عدد الأعضاء من غير اللاعبين يزيدون عليهم بأكثر من ستة أضعاف (77910 أعضاء) ومعظم هؤلاء بالكاد يعرفون موقع أنديتهم، وأغلب الظن أن أقدامهم لا تطأها إلا يوم الانتخاب!!
وتعتبر الجمعيات التعاونية السبع والأربعون «إمبراطورية اقتصادية ضخمة» بكل معاني الكلمة، إذ بلغ إجمالي مبيعاتها في العام 2004 حوالي 407 ملايين دينار كويتي، وصلت صافي أرباحها إلى أكثر من 34 مليون دينار،
ويساهم فيها أكثر من 318 ألف مواطن. يلاحظ أن تدوير القيادة سريع في هذا القطاع، يكاد يكون سنوياً، نظراً لحصول مجلس الإدارة على ما نسبته 10% أو أكثر من أرباح الجمعية، فضلاً عن أن النجاح في الجمعية قد يهيئ إلى النجاح في المجلس البلدي ومجلس الأمة.
وتشارك المرأة مشاركة فاعلة في انتخابات الجمعيات التعاونية، فمن واقع 39 جمعية تتوافر معلومات كاملة عن نتائج انتخاباتها في العام 2004 تبين أن أكثر من 86 ألفاً شاركوا بها، أكثر من 53 ألفاً كانوا من النساء، أي بنسبة 62 % تقريباً.
وفي أكثر من منطقة كانت النساء المشاركات ضعفي الرجال، أو ثلاثة أضعاف أو أكثر قليلاً، كما في منطقة القرين (2051 مساهمة مقابل 632 مساهماً). وإن أنبأ هذا عن شيء فإنما ينبئ عن كثافة مشاركة المرأة في انتخابات مجلس الأمة القادمة.
ومع ذلك، فالمرأة قوة انتخابية فحسب، قلما ترى مرشحة لانتخابات هذه الجمعيات أو عضوة في مجالس إداراتها، ذلك أنها تستخدم من قبل الأحزاب الدينية والقوى القبلية والطائفية ـ المسيطرة ـ كصوت انتخابي ليس إلا!!
ومن المفارقات الغريبة، أن نسبة مشاركة المرأة في تلك الانتخابات هي نفس نسبة مشاركة الطالبات التي رجحت قائمة الإخوان والسلف في انتخابات اتحاد الطلبة في العام الفائت!! وهذا يعني أن أصوات النساء ستصب أساساً للقوى الدينية والقبلية والطائفية في الانتخابات النيابية القادمة.
وفي الكويت 45 نقابة و3 اتحادات عمالية تضم في صفوفها أكثر من 33 ألف عامل، لعل أبرزها وأقواها النقابات العاملة في القطاع النفطي والتي ينتسب إليها أكثر من ستة آلاف عامل. وهؤلاء ـ أي عمال النفط ـ يمثلون «أرستقراطية عمالية» لما يتمتعون به من امتيازات.
إلى جانب ذلك، توجد تنظيمات أصحاب العمل والتجار، أبرزها وأقدمها غرفة تجارة وصناعة الكويت، التي تأسست في العام 1959 وتضم أكثر من عشرين ألفاً من التجار،
وتشهد انتخاباتها منافسة شديدة، فضلاً عن 36 اتحاداً متخصصاً لرجال الأعمال مجمل عضويتها يصل إلى 2557 فرداً.مجتمع نابض بالحياة، وحركة تشوبها بعض الشوائب لكنها بحكم الضرورة ستترشد ذاتياً بفعل التجربة والممارسة.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي