بعد مرور نحو أسبوع على موجة الغضب الإسلامي المنددة بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي غياب أي بادرة تهدئة مشجعة من حكومتي الدنمارك والنرويج اللتين صدرت من على أرضهما شرارة التصعيد هذه، تبدو الازمة في طريقها لاخذ مناحٍ تنذر بما هو أخطر من مجرد الاحتجاج والتنديد، الى مرحلة المواجهة والإضرار بالمصالح. لقد بذلت الحكومات العربية والاسلامية كل مافي وسعها حتى الآن للجم الغضبة الشعبية العارمة، واستنفرت قواتها وعناصر أمنها لضبط أعصاب المتظاهرين المستائين، رغم حالات الانفلات التي شاهدناها في عواصم عربية مثل دمشق وبيروت وهي حالات لا نستبعد أن تتكرر في أجواء مشحونة، تزداد سخونة وتصعيدا مع مرور الايام. خاصة بعد أن امتد نطاق هذه الاحتجاجات من افغانستان الى اندونيسيا، مرورا بايران وباكستان حتى النيجر مخلفة العديد من القتلى والمصابين.
إن حكومتي الدنمارك والنرويج تتحملان المسؤولية الاخلاقية والادبية للاعتذار عن هذه الاعمال المسيئة لاكثر من مليار مسلم يمتد على خريطة العالم، وهما مسؤولتان من الناحية السياسية كذلك في عالم تتشابك مصالحه اليوم بقدر ما تتضارب، ويتحاور بقدر ماهو مختلف. في ضوء مشاريع حوار الحضارات التي يرعاها العالم بمختلف مشاربه الحضارية (الغربية والشرقية)، ومناهله العقدية (الاسلامية والمسيحية واليهودية) .
تلك المشاريع التي رعتها بمسؤولية وحكمة وبعد نظر حكومة دولة قطر نظرا لما تستشرفه من خلالها من خلق مناخ للسلم العالمي، وتقريب للديانات من بعضها البعض، في عالم أصبح «الصراع العقدي» المحرك الاول فيه لما اصطلح الغرب على وصفه بـ «الارهاب». تلك المبادرات، كان من بينها منتدى امريكا والعالم الاسلامي، وندوات الحوار الاسلامي المسيحي التي شملت اليهود في وقت لاحق، وقد تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امير البلاد المفدى ليشمل برعايته افتتاح الندوة الاولى في السابع من ابريل 2003 محددا سموه فى هذا المجال مشكلتين كبيرتين تهددان سلام العالم، تتمثل الاولى فى الانحراف بالاديان السماوية عن جوهر رسالتها والزج بعقائدها فى خدمة اغراض سياسية، أما الثانية فتتعلق بالحكم على امة كاملة من خلال سلوكيات قلة من المتطرفين او الجهلة.
بعد 11 سبتمبر 2001 تحدث جورج بوش عن حرب صليبية، وقبلها كتب فوكوياما عن نهاية التاريخ، وبين سطور كل ذلك يهمس ويصدع المفكرون والمحللون الغربيون عن صدام الحضارات، وخطر أخضر زاحف بعد زوال الخطر الاحمر، كل هذا يستدعي من عقلاء العالم وساسته تلافي أي صدمة كهذه، ومحاسبة مسببها، والاعتذار لمستهدفيها. والدخول في حوار بعد ذلك للخروج برؤية مشتركة موحدة للتقريب بين الاديان والتفاهم بين الشعوب، والحوار بين المفكرين ورجال الدين حتى لايكون الصراع الديني المدخل الجديد لازمات وحروب القرن الحادي والعشرين.