وسط تطورات محلية واقليمية ودولية أهمها فوز حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية والعاصفة التي اثارتها الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد عليه السلام وما طرأ من تطورات على المسألة النووية الايرانية، وسط ذلك كله واصلت اسرائيل عدوانها الشامل على الشعب الفلسطيني حصاراً وقتلاً واعتقالاً وتدميراً وتنفيذاً لمخططات الجدار العنصري وتهويد القدس والاستيطان، ووصل ذلك ذروته ليلة السبت الاحد عبر سلسلة من الغارات شنتها على قطاع غزة واسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين واصابة ثمانية على الأقل عدا عن الدمار الذي خلفته في تصعيد جديد يثير العديد من التساؤلات.

التساؤل الأول يتعلق بموقف اوروبا واميركا التي سارعت فور فوز حركة «حماس» في انتخابات ديموقراطية نزيهة الى دفع سيف المساعدات في وجه الشعب الفلسطيني وطرح عدة شروط والمطالبة بالاعتراف باسرائيل ووقف المقاومة المشروعة للاحتلال، فأين هي اوروبا واميركا اليوم من هذا العدوان الاسرئيلي الذي يصعّد التوتر ويعيد المنطقة الى دوامة العنف وسفك الدماء ويُبعد آمال السلام؟ ولماذا لا تتحرك اوروبا واميركا بقوة في مواجهة أعمال القتل والتدمير والاعتقال والحصار وغير ذلك من الممارسات الاسرائيلية؟ ولماذا لم نسمع مسؤولاً اوروبياً أو اميركياً يهدد اسرائيل بوقف المساعدات عنها أو اتخاذ أي اجراء ضدها إذا لم توقف عدوانها وإذا لم تتجاوب مع جهود السلام؟

هذا الصمت الاوروبي- الاميركي يؤكد مجدداً ازدواجية المعايير ويكشف حقيقة النفاق الغربي وحقيقة المواقف العدائية ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وممارسة ضغوط في غير محلها في الوقت الذي كان من الأجدر فيه لأوروبا وأميركا ممارسة الضغوط على الاحتلال الاسرائيلي غير المشروع وعلى دولة تتحدى الشرعية الدولية وتمنع شعباً بأكمله من ممارسة حقوقه المشروعة.

لقد أصبح واضحاً للمواطن الفلسطيني والعربي أن ما يرفعه الغرب من شعارات الحرية وحقوق الانسان والديموقراطية هو مجرد ذر للرماد في العيون وشعارات ومبادئ بلا رصيد عندما يتعلق الأمر بشعب عربي أو مسلم بل أن من يرفعون هذه الشعارات يقفون عملياً إلى جانب الاحتلال وممارساته وعدوانه ويحاولون ابتزاز الشعب الفلسطيني ضحية هذا الاحتلال بفرض الشروط والاملاءات ولا نبالغ اذا قلنا أن ذلك شكل جديد من أشكال الاستعمار يرفضه شعبنا بشدة ويدينه ويتمسك بنفس الوقت بحقوقه الثابتة والمشروعة وبنضاله العادل من أجل تحرره ولا يمكنه مقايضة ذلك بأموال الدنيا.

وما يجب ان يقال هنا أن من العار أن تصمت أوروبا أمام هذا العدوان الاسرائيلي وأمام المأساة الفلسطينية المتواصلة منذ عقود والتي تتحمل اوروبا نفسها جزءاً من المسؤولية التاريخية عنها ومن العار أن تأتي اوروبا لتوجه المواعظ للشعب الفلسطيني وتحدد له شروطاً واملاءات بعيداً عن كل مبادئ الحرية والعدالة وبعيداً عن الشرعية الدولية التي لم تكن اوروبا أو اميركا تعمل على تطبيقها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وللأسف فإن موضوعاً مثل المسألة الايرانية ومثل العراق بات يهم اوروبا كثيراً علماً أن ايران لا تحتل أراضي شعب آخر ولا تصادر حقوقه ولم تمتلك قدرات نووية تمتلكها دول أخرى حليفة لأميركا وتهدد بها الشرق الأوسط بأكمله. فكيف تريدنا أوروبا ان نقتنع بنزاهة مواقفها وهي تمارس هذا القدر من الازدواجية والنفاق ارضاءً لأميركا واسرائيل وخدمة لمصالح الهيمنة على المنطقة ونهب ثرواتها؟!

كنا نأمل ألاّ نفكر مجدداً بمصطلحات الاستعمار والهيمنة ولكن ما يجري اليوم يؤكد لكل فلسطيني وعربي ومسلم أن الاستعمار الغربي القديم آخذ بالعودة تحت ذرائع ووراء أقنعة جديدة!!