نتج عن نشر الرسوم الكاريكاتورية للرسول محمد عليه الصلاة والسلام في بعض الصحف الأوروبية إساءة بالغة للإسلام والمسلمين في كل بقاع الأرض، وقد تفاعل المسلمون مع هذا الحدث تفاعلا يعكس ما يستقر في الوجدان المسلم من محبة خالصة وإجلال كبير للرسول الكريم.
وما يثوي في أعماق القلوب المسلمة، بعيدا عن الخلافات والنزاعات الشكلية السطحية، من مشاعر قادرة على جمعهم وتوحيد مواقفهم بثبات وقوة وصمود.
وقد جاء الرد الأوروبي والدانماركي على وجه الخصوص متمسكا بما سمّاه حرية التعبير التي تعد من الحقوق الإنسانية المحفوظة والتي لا يمكن لأي جهة كانت أن تطالب بتقييدها أو محاكمتها بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك يعد تعديا واضحا على مبادئ الحرية والديمقراطية التي ينعم بها العالم المتحضر هناك.
والذي يدعو إلى التساؤل هنا هو ما الدافع وراء نشر هذه الرسوم؟ ثم، وهذا التساؤل الأهم، ما الدافع وراء إعادة نشرها في صحف أخرى رغم ما أحدثته من ردود فعل رافضة وغاضبة؟ فقد أعادت مجلة ماغازينت النرويجية نشر هذه الرسوم في أول أيام عيد الأضحى المبارك.
وقد علق رئيس تحرير المجلة على ذلك بقوله: إن المسلمين لا يعرفون إلا العنف من أجل حل أية أزمة أو مشكلة فكرية، وإن إعادة نشر هذه الرسوم هو إنقاذ لحرية التعبير في وجه المحمديين الذين يهددونها.
كما صرح أمين عام رابطة الصحفيين النرويجيين بيير ادغار كوكفلد بأن إعادة نشر الرسوم يعد مؤشرا صحيا يدل على الالتزام بالتمسك بحرية التعبير. فهل حرية التعبير هي التي تكفل الحق لأي شخص أن يتطاول على الناس، ناهيك عن الرسول عليه الصلاة والسلام، بالاستهزاء والسخرية والتهكم؟
وحتى إن كان ذلك في سياق الفن الذي يقال بتحرره من كل القيود والمعايير فإن قراءة المقاصد وراء هذه الرسوم لا يمكن أن تخطئها العين البصيرة.
إن حرية التعبير التي يشدد عليها الأوروبيون الآن والتي يذودون عنها ويدافعون ليست مطلقة في موازينهم كما يحاولون أن يظهروها، فحرية التعبير تنال من التنديد .
والرفض والغضب الكثير إذا تطرقت إلى موضوعات معينة يراها كثير منهم هناك من المحرمات التي يعاقب عليها القانون؛ فعندما دعت وزيرة الاقتصاد النرويجية كريستين هالفرشن إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية ووجهت بغضب عارم واتهمت بمعاداتها للسامية.
وتقضي القوانين في النمسا، مثلا، بمعاقبة كل من ينكر الجرائم النازية ضد اليهود بالسجن مدة تصل إلى عشرين عاما، وعليه فإن المؤرخ البريطاني ديفيد إرفنغ الذي نفى وجود غرف الغاز أو المحارق ينتظر المثول أمام المحكمة بعد أن وجه المدعي العام في فيينا اتهامات له حول هذا الموضوع. وهناك كتاب آخرون غيره يحاكمون بالتهمة نفسها.
وأمثال هؤلاء الكتاب تتابعهم رابطة يهودية تسمى «رابطة مكافحة القذف وتشويه السمعة» وتلاحقهم وتعمل على منعهم، بالقانون في كثير من الأحيان، من نشر كتاباتهم لأن فيها إساءة إلى تاريخ اليهود ومعاداة للسامية.
وليس من أحد يجادل في مكانة المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي خرج من قلب الثقافة الأوروبية ليناقش بعمق وتحليل خطر الحركة الصهيونية واتكائها في عدوانها على الشعب الفلسطيني على عقدة الذنب التي ابتزت بها العالم كله، فكان موقف القضاء الفرنسي في البلد الذي يحتكر ريادة الفكر الحر ما كان.
وفي مصر نشرت صحيفة اللواء الإسلامي التابعة للحزب الوطني الديمقراطي مقالتين للدكتور رفعت سيد عن المحرقة اليهودية ينكر فيهما وقوع هذه الحادثة ويستند في ذلك على مصادر أجنبية منها ما كتبه الكاتب اليهودي الألماني جوزف غينزبرغ، فقامت الدنيا .
ولم تقعد، وامتلأت عشرات المواقع الإلكترونية بالدفاع عن السامية ودعوة أمريكا إلى قطع الدعم عن مصر، بل طالب بعضهم بقصف مصر والمملكة العربية السعودية. كما قام وفد من السفارة الأمريكية وبعض الإعلاميين الإسرائيليين والمصريين بزيارة الصحيفة ونتج عن ذلك:
منع الدكتور رفعت من متابعة الكتابة في الصحيفة، وإقالة المحرر المسؤول عن نشر المقالتين، ونشر اعتذار رسمي من وزير الإعلام المصري في الصحيفة نفسها.
أوضح فيه أنّ الحزب والحكومة يرفضان اللاسامية (أي معاداة السامية) ويقرران بحقيقة وقوع المحرقة. وقد ورد ذكر هذه الحادثة في أرشيف القنصلية الأمريكية العامة في القدس الموجود على موقعها على الإنترنت في تقرير حول معاداة السامية لعام 2004.
ويذكر التقرير نفسه أهمية التمييز بين أمرين: «الانتقاد المشروع لسياسات وممارسات دولة إسرائيل (نقلا حرفيا عن التقرير) والتعليقات التي تتصف بمواصفات معاداة السامية، فتصوير إسرائيل على أنها شبه شيطان والحط من قدر الزعماء الإسرائيليين.
وتشويه سمعتهم أحيانا من خلال مقارنتهم بالزعماء النازيين ومن خلال استخدام الرموز النازية لتصويرهم بشكل كاريكاتوري يشير إلى وجود تعصب ضد السامية لا إلى انتقاد صحيح مشروع».
فلماذا لا تشير الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء إلى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم إلى إساءة وتشويه متعمد وتعصب أعمى ضد الإسلام والمسلمين؟ ولماذا تعد من حرية الرأي التي يتواصى القوم بالتمسك بها والدفاع عنها؟
إنّ حرية التعبير هنا لا تنفصل أبدا عن العداء السافر أو المستتر للحضارة العربية الإسلامية، التي قال فيها شاعر الاستعمار البريطاني رديارد كبلنج «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»، وما نظرية صراع الحضارات، ونهاية العالم، والديمقراطية الغربية، والعالم الحرّ، إلا حلقة من سلسلة يتم فيها التضحية بالمنطق والعقل وحرية الفكر.
ولعل من أهم الشواهد على ذلك إدانة العرب والمسلمين من خلال هويتهم؛ فالساميّون في هذا الزمان يتهمهم العنصريون الذين ارتكبوا حروب إبادة على مرّ التاريخ بأنهم يعادون السامية، ويسوقون مقولتهم من دون أن يطرف لهم جفن أو يراودهم أي شعور بالخجل فواعجبي!!
جامعة الإمارات