لعل في انكماش حركة فتح وتفاقم ظواهر الانفلاش في بعض هياكلها التنظيمية والعسكرية والأمنية، وتراجع أسهمها مع «ذوبان جليد المرج الفلسطيني» في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، مايدفع قياداتها وكوادرها للسير قدماً من أجل تقييم المرحلة الماضية التي تصدرت فيها الحركة ميدان الفعل المباشر بالمقاومة طوراً.
وبالمفاوضات طوراً آخر فكانت القوة الفلسطينية الرئيسية المسؤولة عن ادارة العملية السياسية والكفاحية الفلسطينية في ظل معضلات ومعادلات صعبة ومعقدة، حكمت سير الوقائع على الأرض.
خصوصاً بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد 2000، ووقوع الرئيس الراحل / والأب الروحي لحركة فتح ياسر عرفات تحت حصار كبير في منطقة المقاطعة في قلب مدينة رام الله.
ومن نافل القول، بأن توابع زلزال الانقلاب الديمقراطي في فلسطين، فرض نفسه على الأوضاع الداخلية في حركة فتح، وعلى القاعدة الفتحاوية العريضة الساعية لإعادة الاعتبار لحركة فتح كفصيل رئيسي في صفوف الفلسطينيين وائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية.
ودفع باتجاه تسريع وتيرة الجهود المبذولة من أجل عقد أعمال المؤتمر الوطني العام السادس لحركة فتح، وذلك في سياق اعادة تجديد شباب الحركة ورفدها بالدماء الشابة، بعد أن ساد الاعتقاد بأن الحركة باتت «كاللبوة الجريحة غير القادرة على النهوض».
وفي حقيقة الأمر، كما نبارك لحركة حماس فوزها الديمقراطي، لايمكن أن نغبن حركة فتح بتاريخها ودورها العريق في حمل راية المشروع الوطني الفلسطيني. فكان من الطبيعي أن تواجه الحركة مجموعة من الاستعصاءات والأزمات المركبة التي تتجاوز حركة فتح والوضع الفلسطيني في جوانب منها، وتمس بالصميم التداعي الحاصل في الحالة العربية ككل.
وعليه، إن حركة فتح، تجد نفسها الآن أمام تحد بالغ الخطورة، فإما أن تنهض من جديد وتحافظ على ديمومتها، وتطور من أدائها الداخلي، وتعيد تجديد حيويتها وبناء مؤسساتها بشكل معتبر مستفيدة من دروسها الثمينة.
ومن تجاربها التي أكسبتها منعة داخلية حمتها من التشقق والتشرذم إبان أزماتها العاصفة خصوصاً زمن الانشقاق الكبير عام 1983.
وإما فإن القدر سيحملها ويدفع بها نحو التقوقع والتكلس والتحول إلى حزب سلطوي جديد في الخارطة السياسية العربية، كما هو حال الأحزاب السلطوية الحاكمة في بعض بلدان العالم الثالث. ويمكن إجمال المسائل الأساسية التي تواجه حركة فتح، وتتطلب إجابات مباشرة من مؤتمرها العام السادس القادم، بالعناوين التالية:
1 ـ في العنوان التنظيمي الداخلي، يمكن القول بأن الأمور مازالت تراوح مكانها عند حدود المؤتمر الخامس لحركة فتح الذي عقد في تونس / العاصمة قبل 17عاماً، بينما تتطلب المرحلة إعادة انتخاب الهيئات القيادية المركزية بطريقة شفافة.
ونزيهة تضمن انتقال حركة فتح من حالة حزب التحرر الوطني إلى المزاوجة مع حالة الحزب الأساس في بناء الكيان الفلسطيني وتجسيده على أرض فلسطين، ومن موقع التشارك مع جميع أطراف الموزاييك السياسي الفلسطيني / خصوصاً مع حركة حماس التي باتت الى جانب فتح القوة الشرعية الأساسية في الساحة الفلسطينية.
2 ـ وفي العنوان السياسي المتعلق بتقييم المرحلة، والأداء الذي قدمته حركة فتح. فقد برزت اشكالات داخلية حول الموضوع السياسي تم التعبير عنها بحدوث اصطفافات مؤذية، تحولت إلى تيارات كادت أن تصبح قاب قوسين من حالة التيارات المتصارعة والمحتكمة إلى السلاح، ولم تبخل على بعضها بالتراشق الإعلامي السلبي.
وعلى هذا الأساس فإن حركة فتح، ومؤتمراتها القاعدية تحت الاختبار على ضوء انبعاث بعض الأصوات التي تريد تهميش دور حركة فتح وانزاله من علياء كفاحيته الى مقام الأحزاب المنغلقة.
ومن هنا أقول بأن حركة فتح وباعتبارها جامعاً للتيار الوطني العريض في الصف الفلسطيني عليها أن تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني باعتباره شعباً واحداً بين الداخل والشتات، وعلى ضرورة أن تشمل نسب التمثيل لعضوية المؤتمر العام لحركة فتح الشتات الفلسطيني وعلى الأخص من سوريا ولبنان.
حيث مليون لاجئ فلسطيني حملوا على كاهلهم عبء انطلاقة حركة فتح وعموم الحركة الوطنية الفلسطينية قبل دخول ونشوء السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية عام 1994.
3 ـ وفي العنوان الأهم، فإن التباين مازال يلقي بظلاله بين من يريد استمرار كتائب الأقصى كجناح فدائي مسلح لحركة فتح، تقتضي وجوده الضرورات القائمة في فلسطين، خصوصاً مع تواصل سياسات القمع الإسرائيلية الصهيونية.
وبين تيار يريد تخليص حركة فتح من «أسنانها»، وإحالة كتائب الأقصى على التقاعد باعتبارها قد استنفدت المطلوب منها وأصبحت تشكل إحراجا وعبئاً سياسياً ثقيلاً على السلطة الفلسطينية وحركة فتح على حد سواء.
4 ـ وفي العنوان المالي الداخلي، فإن سحب الضباب والغموض المالي التي يتلفع البعض من القيادات بها، يفترض أن تزول أيضاً، لتحل مكانها «سياسة الوضوح المالي الذي يجمع مع ضرورات الحذر والسرية المطلوبة» للحفاظ على شريان الحاجات المشروعة للحركة الوطنية الفلسطينية، وبذلك يمكن الانتهاء من الحديث عن الصناديق الخاصة بهذا الجهاز أو ذاك، ومن عطايا هذا المسؤول أوذاك.
كاتب فلسطيني ـ دمشق