هذا الرجل ليس كأي رجل من الناس، فهو الديناصور الباقي على قيد الحياة من فصيلة الديناصورات الفكرية المنقرضة، وهو المولود عام 1912 أي له من العمر 94 عاما، وهو الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1976.
وهو من أصول يهودية مما كان يؤهله لخوض غمار المغالطات والمهاترات وتزييف التاريخ لمصلحة إسرائيل كما يفعل أغلب اليهود، لكنه فضل الموضوعية على التحريف وآثر النزاهة على الانحياز.
وحين كنا طلابا في جامعة السربون في السبعينات وحل بالجامعة ميلتون فريدمان أستاذا زائرا لم يجد آلاف الطلاب مكانا في قاعة الانفيتياتر للاستماع لمحاضرته وأذكر أن القاعة امتلأت والباحة التاريخية للسربون اكتظت وعج بنا شارع فكتور كوزان وتعطلت حركة المرور، أيام كان التحصيل على العلم بهذا الثمن الغالي.
وللذين لم يعرفوا هذا العالم الاقتصادي العملاق نقول بأنه صاحب أعمق دراسة لليبرالية واقتصاد السوق صدرت في كتاب يعتبره الخبراء من أفضل ما كتب في الموضوع خلال القرن العشرين .
وهو بعنوان «الرأسمالية والحرية» ينظر فيه فريدمان للعلاقة الجدلية القائمة بين المعاملات الاقتصادية كنشاطات إنسانية وبين الحريات بمفهومها الفلسفي والمدني.
وكان للعالم الجليل تأثير كبير على سياسات كل من مرغريت تاتشر ورونالد ريغان وكذلك نظرية نهاية التاريخ للمفكر الأميركي فرنسيس فوكوياما ونظرية صدام الحضارات لصمويل هنتنجتن، لا بمعنى المجاراة والموافقة والتأييد ولكن بالعكس بمعنى النقد والتعديل والترشيد.
هذا الرجل يقف اليوم من أعلى هرم سنواته الأربع والتسعين ليطل بقامته العالية على أحداث العالم ويقدم رؤاه الحكيمة للحلول التي يقترحها لمعضلات العصر وأزماته. وأنا أشكر جزيل الشكر بعض الصحف الخليجية التي نقلت هذه التأملات للقراء العرب.
أجاب الرجل عن سؤال يتعلق بأهم ما يشغل باله من القضايا الدولية فقال: «إنني أتساءل عن مدى حظوظ الولايات المتحدة في النجاح في المشروع الذي خططته لنفسها لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية،.
وأنا أعتقد أنه ما كان يجب علينا أن نحتل العراق، لأن ذلك أصاب مصداقية أميركا ومنزلتها في الصميم». وعندما سئل العالم عن التعملق الصيني الذي غير قواعد اللعبة الجغراسياسية في العالم قال:
«إن ما يحدث في الصين سبق أن حدث في التشيلي عندما نهض الاقتصاد وانعدمت الحرية السياسية، وثار التشيليون من أجل استرداد حرياتهم المسلوبة وسيحدث نفس الشيء في الصين لأن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتعايش طويلا مع النظام الاستبدادي، فتحرير الاقتصاد يبقى مستحيلا بدون تحرير الإنسان».
ويحلل فريدمان حدثين هامين غيّرا من التوازنات التقليدية للعالم وكان لهما أعظم تأثير على حياة الناس وهما: سقوط جدار برلين وانتشار شبكة الانترنت.
عن انهيار جدار برلين تحت مطارق الشباب الألماني وفؤوسه يقول فريدمان: إن إسقاط هذا الجدار خدم الحرية في العالم بأكثر ألف مرة مما خدمتها الكتب والمقالات والمؤتمرات وأدبيات المعارضات.
لأن الجدار كان يفصل لا بين شطري بلد واحد أرادت الحرب الباردة تقسيمه فحسب بل بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي، فكان تحطيم ذلك الجدار تكريسا لقيم الحرية على أنقاض خراب الفكر الماركسي وانهيار إيديولوجيته الأحادية الشمولية.
وبعده مباشرة جاءت للعالم النتيجة الطبيعية للحرية أي شبكة انترنت بعقيدتها الضرورية التي هي إلغاء الحدود وتحطيم الحواجز بين الدول والقارات والشعوب من أجل تلاقي البشر وتبادل البضائع وتلاقح الثقافات.
ويؤكد العلامة بأن انتصار الحرية الاقتصادية باتساع رقعة التبادل التجاري لن تنجح بدون اقرار الديمقراطية كحل توافقي بين الشعوب وكبديل عن النزاعات المسلحة والدموية من أجل التداول على الحكم. وأعاد فريدمان للأذهان مثال التشيلي الذي يعرفه جيدا لأن الدكتاتور المخلوع بينوشيه كان يستشيره.
فقال: إن التشيلي حققت انجازات اقتصادية معترفاً بها منذ بداية عهد الانقلاب على الرئيس الليدني لكن النظام لم يدرك أهمية الحريات وأحقية حقوق الإنسان واعتقد بأن المكاسب المادية بإمكانها تبرير القمع، وهو نفس الخطأ القاتل الذي ارتكبه هتلر في ألمانيا وموسوليني في ايطاليا بوابل الكوارث التي عاشتها الانسانية.
وفي الشأن النقدي والاقتصادي العالمي يعتقد ميلتون فريدمان بأن اليورو كان مشكلة للبلدان الأوروبية ولم يكن حلا، ضاربا المثل بألمانيا التي انخرطت في العملة الأوروبية المشتركة بقيمة صرف أقل من المارك عملتها العريقة مما جلب للاقتصاد الألماني الذي كان يحتل الصدارة أزمات حادة .
وأعاق مجال التصدير وفتح أبواب التضخم الاقتصادي، بل وشعر الألمان بأن بلادهم القوية الرائدة تحولت بعد يناير 1999 إلى ما يشبه بولندة التي كانت من الدول الهزيلة في الطابور الأوروبي.
أو إلى ما يشبه البرتغال التي انتشلها انضمامها إلى الاتحاد من منزلة العالم الثالث إلى منزلة الدول المتقدمة! ويقر فريدمان بأن ألمانيا لا تستطيع الانفكاك بشكل سياسي من منطقة اليورو لأن هذا القرار كان سياسيا ولم يكن اقتصاديا أو نقديا.
ولا أخفي القراء العرب الكرام بأني أحاول أن أطلعهم على ما ينفع العالم العربي حين تقع عيناي على أفكار علماء من الغرب يجاهرون بالحق الذي يهم العرب ولا يقرأونه بأقلام عربية إلا فيما ندر. ذلك أن شهادة رجال في حجم ميلتون فريدمان لها وزنها اليوم ونحن نتحسس طريق الخلاص.
alqadidi@hotmail.com
كاتب تونسي