من سنن الله تعالى في الكون التغيير باستمرار؛ فكل يوم هناك ظروف جديدة، ولاشك أن لكل مرحلة متطلبات، إذا تفرض التغيرات المحلية والدولية علينا أن نطور من أنفسنا دوماً.. والدستور الحالي بعد مرور عدة عقود على إصداره صار على مائدة الفحص والبحث للنظر في مدى ملاءمته لطبيعة مجلس وطني منتخب.

وقد تحدثنا في المقال السابق عن الدستور الحالي وتاريخه، وبينا كيف كان في الأصل دستوراً مؤقتاً، تم وضعه عند نشأة الاتحاد المبارك بين الإمارات السبع عام 1971.

كما أوضحنا أن الدستور الحالي يعطي المشروعية الدستورية لقرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بتوسيع نطاق الممارسة الديمقراطية.

وقد وعدنا القارئ الكريم بتحليل الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي في الدستور الحالي حتى يحقق قرار صاحب السمو رئيس الدولة كل أغراضه الوطنية، أعني قراره بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي.

ويهمنا في هذا السياق من الدستور الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي، حيث تكشف الانطباعات الأولية لقارئ هذا الدستور عن كون سلطات المجلس محدودة واستشارية، فضلاً عن أن المجلس ليس له الحق في مراقبة الحكومة وسحب الثقة منها ومن أحد الوزراء، وكل ما للمجلس هو حق الاستفسار، ولم ينص الدستور على طريقة اختيار أعضائه.

لكن من ناحية أخرى يظهر الفكر الديمقراطي في جوانب كثيرة من الدستور، كما يتضح في الدستور الحال البعد الوطني؛ إذ وضع أحكاماً أخرى من أهمها أن عضو المجلس الاتحادي ينوب عن شعب الاتحاد من أبوظبي إلى الفجيرة، وليس فقط عن الإمارة التي يمثلها داخل المجلس.

ولننظر الآن في مواد الدستور التي تؤكد الملاحظات السابقة؛ حيث نجد أنه ترك لكل إمارة تحديد طريقة اختيار المواطنين الذين يمثلونها في المجلس الوطني الاتحادي. كما اشترط في عضو المجلس الوطني الاتحادي عدة شروط منها:

أن يكون من مواطني احدى إمارات الاتحاد، مقيماً بصفة دائمة في الإمارة التي يمثلها في المجلس، ولا يقل عمره عند اختياره عن 25 سنة ميلادية، وان يكون متمتعاً بالأهلية المدنية، محمود السيرة، حسن السمعة، لم يسبق الحكم عليه في جريمة مخلة بالشرف، ما لم يكن قد ردّ إليه اعتباره طبقاً للقانون، وأن يكون لديه إلمام كاف بالقراءة والكتابة.

وشرح الدستور الحالي نظام العمل في المجلس في عدة مواد يتضح فيها الفكر الديمقراطي من جوانب كثيرة، مثل « لا يؤاخذ أعضاء المجلس عما يبدونه من الأفكار والآراء في اثناء قيامهم بعملهم داخل المجلس أو لجانه».

ومثل «لا تكون مداولات المجلس صحيحة إلا بحضور أغلبية أعضائه على الأقل وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء الحاضرين، وذلك في غير الحالات التي يشترط فيها أغلبية خاصة، وإذا تساوت الأصوات يرجح الجانب الذي فيه رئيس الجلسة».

أما اختصاصات المجلس ـ وهنا بيت القصيد ـ رغم تعددها فإنها محدودة واستشارية فقط، وأهمها مشروعات القوانين الاتحادية بما في ذلك مشروعات القوانين المالية التي تعرض على المجلس الوطني الاتحادي قبل رفعها إلى رئيس الحكومة الاتحادية لعرضها على المجلس الأعلى للتصديق عليها، ويناقش المجلس الوطني الاتحادي هذه المشروعات.

وله ان يوافق عليها أو يعدلها أو يخفضها وينظر المجلس في دورته العادية في مشروع قانون الميزانية العامة السنوية للاتحاد في مشروع قانون الحساب الختامي.

وذلك طبقاً للأحكام الواردة في الباب الثامن من الدستور، وتتولى الحكومة إبلاغ المجلس الاتحادي بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تجريها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية المختلفة، مشفوعة بما يناسب من بيان.

وللمجلس الوطني الاتحادي ان يناقش أي موضوع من الموضوعات العامة المتعلقة بشؤون الاتحاد، إلا إذا أبلغ مجلس الوزراء المجلس الوطني الاتحادي بأن مناقشة ذلك الموضوع مخالفة لمصالح الاتحاد العليا.

وبحضور رئيس الوزراء أو الوزير المختص للنقاش، وللمجلس الوطني ان يعبر عن توصياته «لاحظ معي أيها القاريء الكريم أنها مجرد توصيات».

ويحدد المجلس الوطني الاتحادي الموضوعات، التي يناقشها، واذا لم يقر مجلس الوزراء تلك التوصيات أخطر المجلس الوطني الاتحادي بأسباب ذلك، ومعنى ذلك ان المجلس الوطني الاتحادي ليس لقراراته أية سلطة، حيث يمكن لمجلس الوزراء ان يرفضها».

ويمثل حكومة الاتحاد في جلسات المجلس الوطني الاتحادي، رئيس مجلس الوزراء أو نائبه أو أحد أعضاء الوزارة الاتحادية على الأقل، ويجيب رئيس الوزراء أو نائبه أو الوزير المختص على الاسئلة التي يوجهها إليهم أي عضو من أعضاء المجلس للاستفسار عن الأمور الداخلة في اختصاصهم.

وذلك وفقاً للإجراءات المقررة في اللائحة الداخلية للمجلس. وكما نرى فإن سلطات المجلس محدودة واستشارية، فحسب نص الدستور «وللمجلس الوطني الاتحادي ان يعبر عن توصياته ويحدد الموضوعات التي يناقشها إذا لم يقر مجلس الوزراء تلك التوصيات أخطر المجلس الوطني الاتحادي بأسباب ذلك».

كما ان المجلس ليس له الحق في مراقبة الحكومة وسحب الثقة منها أو من أحد الوزراء، وكل ما للمجلس هو حق الاستفسار، فحسب نص الدستور «يجيب رئيس الوزراء أو نائبه أو الوزير المختص على الاسئلة التي يوجهها إليهم أي عضو من أعضاء المجلس للاستفار عن الأمور الداخلة في اختصاصهم، وذلك وفقاً للإجراءات المقررة في اللائحة الداخلية للمجلس».

تلك أهم معالم الدستور الحالي في الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي، الذي أصبح موضوعا للنقاش بعد القرار التاريخي لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع وتعيين النصف الآخر.

فهل يتلاءم هذا الدستور الذي يقصر سلطة المجلس على تقديم الاستشارات والاستفسارات للحكومة، مع الوضع الجديد الذي تنوي حكومتنا الرشيدة الدخول فيه من توسيع رقعة الديمقراطية والمشاركة الشعبية؟

أليس من الضروري تغيير طبيعة عمل المجلس، وتوسيع سلطاته؟ أليس من الواجب تطوير الآليات التي سوف تحكم عمل المجلس الجديد؟ وجعل بإمكان المجلس الجديد إقالة الحكومة أو إقالة وزير؟ هل سوف يظل مجلس استشارات أم يتحول لمجلس تشريع؟

هل قراراته ملزمة للحكومة؟ أم هي مجرد توصيات ومقترحات لمجلس الوزراء يرفضها بسهولة مثلما هو الحال في الدستور الحالي؟

ولذا لابد من إعادة طرح الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي في الدستور الحالي للنقاش في كل الإمارات دون استثناء، حتى يتم تفعيل قرار صاحب السمو رئيس الدولة بانتخاب نصف أعضاء «المجلس الوطني».

وحتى يتلاءم الدستور مع الموجة الديمقراطية التي تجتاح العالم، لاسيما ان دولة الإمارات سارت منذ نشأتها على الطريق الذي يفضي في نهايته ـ ولو في المستقبل ـ إلى دولة ديمقراطية كاملة.

كما قام الاتحاد على وعد صريح في الدستور لأبناء الاتحاد بالوصول الى الحياة الدستورية الحرة الكريمة مع السير به قدماً نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الأركان في مجتمع عربي إسلامي متحرر من الخوف والقلق.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات