العالم بحاجة إلى خصم أو عدو، وخاصة الدول العظمى التي تريد أن تكون شعوبها في حالة استنفار دائم، حتى إن تمرير ميزانيات التسلح في أميركا لا ينجح إلا بخلق هذا التأجيج، سواء زمن الشيوعية، أو حالياً ما تسميه بالإرهاب الإسلامي..
في الوطن العربي، خرجت السلفية السياسية التي قامت على الهرطقة الأيدلوجية وحل بديلاً عنها «الإسلام هو الحل» وطبيعة الصراع داخل الأجيال تأتي من رفض النموذج الواحد، والذي غالباً ما يترهل، ويقف على عكازين، وقد شهدنا في الجزائر كيف نجحت جبهة الإنقاذ باكتساح الشارع أثناء انتخابات حرة، وعادت الحالة في مصر حين حصل الأخوان المسلمون على مقاعد متقدمة في البرلمان، وصعق العالم - بما في ذلك منظمة فتح - من فوز حماس الكاسح في المدن كلها حتى المحسوبة عليها، وكان لهذا النجاح رد فعل داخلي في فلسطين، وخارجي على مستوى من تعتقد نفسها حارس الفضيلة في المنطقة مثل أمريكا ودول أوروبا، باعتبار ما جرى خارج التصور والقبول..
حماس تخطئ إذا لم تلعب الدور الآخر، أي أن وجه المقاومة يمكن الإبقاء عليه مع مرونة خاصة بحيث تتكافأ مواقفها مع طروحات لا تسلّم بالأمر الواقع كإعطاء إسرائيل تنازلات مرفوضة، ولا إغلاق الأبواب أمام اختراع فرص قادرة أن تضعها كخصم موضوعي أمام إسرائيل وغيرها، لأن ما جرى في الماضي لم يعط للفلسطينيين إلا هروب إسرائيل من غزة تفادياً لخسائرها البشرية والمادية، وما عدا ذلك، فإن الاستيطان مستمر، والتطويق قائم وقتل القيادات الإسلامية جزء من أهداف تضعها إسرائيل في أولوياتها..
فالعقاب يتجه للشعب الفلسطيني بدعوى أنه يتحمل وزر انتخاب حماس، وفي الظل تطبخ سيناريوهات مختلفة، أي أن وجود محاور بقوة هذه المنظمة سوف يرفع سقف المناورة إلى أعلاه، خاصة أن إسرائيل تعرف مدى هذا التحول، وكيف أنها هي من ساهم بخلق هذا التيار وجعله الممثل لكل الفلسطينيين نتيجة غرورها وسلوكها الأحمق.
موضوع المفاضلة في الشأن الفلسطيني لم يكن يهم إسرائيل وحلفاءها طالما ظلت الأوضاع تتحرك لصالحهم، لكن أن يوجد مفاوض قوي بشروط تتلاقى مع المصلحة الفلسطينية، فإن الأهداف قد تتغير، ليس بتنازلات إسرائيلية وإنما بمواجهة مواقف لا تقول «نعم» دائماً، وهذا التطور يفرض على إسرائيل أن ترى الحقائق برؤاها الصحيحة، وإلا فإن إجماع الشعب الفلسطيني على من يمثله يبقى الجدلية في كل الصراعات السياسية والعسكرية القادمة.