قبل يومين عاش لبنان ساعات عصيبة، لحظات قضاها تحت حبس الأنفاس، اشتعل في عاصمته حريق صغير، كاد يهدد بأن يكون الشرارة لحريق أكبر، لنار تأكل الأخضر واليابس وتتمدد في مختلف أرجائه، وحده الوعي وحسن الفطنة والدراية مع سرعة التدبر الفعّال قضى على ألسنة اللهب.

ووأدها داخل مبنى القنصلية الدنماركية في بيروت، وكان أن اجتاز البلد امتحاناً قاسياً، تنفّس على اثره الصعداء، وفي ذلك مبعث الارتياح، لكن في الوقت ذاته لا يزال الوضع أسير انكشافاته وسرعة عطبه، ما حصل كان إحباطاً لتحد، وليس قضاء على أسبابه. وفي ذلك مبعث للقلق.

المظاهرة التي قصدت مبنى القنصلية للتعبير عن الاستياء والشجب لما نشرته صحف دنماركية من صور كرتونية طافحة بالتطاول على شخص الرسول الكريم، تحوّلت بقدرة قادر وفجأة إلى موجة هادرة من الشغب والتخريب، الذي استهدف ممتلكات عامة وخاصة وأماكن دينية ورجال الأمن.

وقد حصل ذلك في ساحة ذات طابع وموقع خاصين تجعلانها ذات حساسية عالية تهدد بردود، لو حصلت لكانت تداعياتها من النوع والحجم اللذين لا يدرك مداهما إلا الله، وما زاد من التهاب وتوتر الأجواء أن العناصر التي قامت بحرف التظاهرة عن خطها كانت «مدسوسة»، حسب تقارير المصادر الأمنية. وأكثر من ذلك أن بعضها كان من غير حاملي الجنسية اللبنانية.

الأمر الذي أضاف شحنة من البلبلة والتعقيد على الأجواء، فضلاً عن ذلك انعكس هذا التطور على المشهد السياسي، المضطرب أصلاً، فقدّم وزير الداخلية استقالته، وذلك بعد أيام قليلة فقط من عودة الوزراء المعتكفين ورجوع الوضع الحكومي إلى حالته الطبيعية.

الخسائر متعددة الجوانب والأبعاد، أولها طاول القضية الأساسية التي انطلقت التظاهرة من أجلها، فالحريق الذي استهدف المبنى الدبلوماسي الدنماركي، كانت مردوداته سلبية، بدلاً من أن يخدم الغرض المتمثل في إدانة التحامل والتطاول على النبي الكريم ومراكمة الضغوط على الصحف الصفراء التي حملها غيّها وفجورها العنصري على ممارسة هذا النوع من الرعونة والحماقة، خدم نقيضه.

وبدلاً من أن يصبّ التحرك في فضح الإساءة وتعريتها على حقيقتها، فإنها صبّت في الإساءة إلى صورة بعض المسلمين، والدليل أن العلماء ورجال الدين من كل حدب وصوب، سارعوا إلى إدانة مثل هذه الممارسات، وحرصوا على تبرئة الإسلام منها.

ثاني الخسائر لحق بلبنان، فالحادثة تركت الانطباع، بل الاعتقاد بأن ما جرى كان مراداً له أن يسحب لهيب حريق القنصلية إلى خارج المبنى ورميه في الشارع، الأمر الذي حرّك ذكريات الماضي اللبناني الأليم وأجواء بداياته المشابهة، حتى ولو أن الأمور حصلت بصورة عفوية.

لقد سلّط هذا التطور الخطير الأضواء على أمرين: الأول هو إدماننا، كعرب، على تبديد الفرص، في كل مرة تكون في يدنا قضية كبيرة وأوراق قوية قابلة للتوظيف ولتعزيز وخدمة قضايانا، الثاني هو أن الوضع اللبناني، على تماسكه حتى الآن، آخذ في التعرض للمزيد من التحديات التي تفوق قدرته، والتي لا يجوز تركه وحده في مواجهتها.