فوران الشارع في العالم الإسلامي سيتلاشى خلال أيام.. وحركة مقاطعة المنتجات الدنماركية لن تستمر طويلاً. ولكن مع ذلك خرجنا بدرس براغماتي بليغ: أن الغرب يتراجع ويعيد حساباته وتقديراته السياسية حين يواجه مشهد غليان قد يتطور إلى مستوى تهديد المصالح الغربية الحيوية.
الصحيفة الدنماركية التي نشرت رسومات تنطوي على إساءة وقحة إلى شخص رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بدت غير مكترثة بادئ الأمر برد الفعل على مستوى حكومات الدول الإسلامية. وبلغ الاستخفاف بالحكومة الدنماركية أن رئيس الوزراء رفض استقبال سفراء الدول الإسلامية.
ولكن عندما اندلع الغضب الإسلامي وأخذ يتصاعد بإيقاعات متسارعة من الرباط إلى جاكرتا مصحوباً بدعوة جماعية إلى مقاطعة السلع الدنماركية جرى تطبيقها فوراً في أسواق العالم الإسلامي فإن العواصم الأوروبية أخذت تستشعر السخونة الفائرة.. ومن ثم راحت السكرة وجاءت الفكرة.
المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي بيتر ماندلسون استأسد بادئ الأمر متوعداً حكومات العالم الإسلامي بأن الاتحاد الأوروبي سيرفع شكوى إلى منظمة التجارة العالمية طالباً فرض عقوبات على الحكومات الإسلامية إذا لم تتخذ تدابير صارمة لمنع مقاطعة منتجات أي دولة أوروبية.
لكن لهجة ماندلسون تغيرت لاحقاً مع تصاعد الفوران الشعبي العارم. ولعله أدرك أنه ليس بوسع الحكومات الإسلامية صد هذه الموجة العارمة.
فبعد أن رفض ماندلسون إدانة نشر الرسوم المسيئة متذرعاً كغيره من القادة الأوروبيين الرسميين ـ انتقد فيما بعد الصحف الأوروبية التي أعادت نشر الرسوم ـ باسم حرية التعبير قائلاً إنها لا تقوم إلا بتأجيج الأزمة. وقال إن هذه الرسوم تعتبر استفزازاً وإنه كان على الصحف «التفكير قبل القيام بهذه الخطوة».
ومع اتساع نطاق الغضب الشعبي العارم في العواصم الإسلامية أصبحت ذريعة «حرية التعبير» موضع إعادة تقييم.
رئيس تحرير الصحيفة النرويجية التي أعادت نشر الرسوم كتعبير عن حرية الرأي يقول الآن إنه غير رأيه وصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية تقول «إن ما يسمح به القانون يحظره الضمير أحياناً».
والتقطت وسائل الإعلام الأميركية الرسالة وكأنها استخلصت العظة من الحالة الأوروبية. فقد امتنعت صحف وقنوات تلفزيونية عن إعادة نشر الرسوم المسيئة. وبينما تقول مؤسسات إعلامية أميركية انها تقوم بتغطية أحداث الضجة الكبرى في أوروبا إلا أنها قررت عدم إعادة نشرها «احتراماً للقراء والمشاهدين».
فضائية «سي.إن.إن» عرضت نسخاً من الصحف الأوروبية التي نشرت الرسوم لكنها امتنعت عن بثها قائلة إنها لا تريد إثارة حساسية مشاهديها. وكذلك فعلت شبكتا «إن.بي.سي» و«سي.بي.إس».
ورغم أن انتصار الشارع الإسلامي يجب أن يعتبر انتصاراً مؤقتاً قابلاً للتلاشي إلا أن الغرب قرأه فيما يبدو قراءة صحيحة من حيث إنه يمثل سابقة خطيرة في مقدرة الشارع في ظروف معينة على فرض وجوده على أنظمة الحكم قد تتكرر فيما بعد على نحو أشد خطراً.