إذا صحت مقولة ان التاريخ يعيد تكرار نفسه، فذلك لأن ثمة حاملاً لهذه الظاهرة أو تلك في التاريخ البشري. في عام 1959، انسلت من بين أصابع الإدارة الأميركية برئاسة جون كيندي مياه تجربة الثورة الكوبية، حين تمكنت ثلة من الشبان يتقدمهم المحامي فيدل كاسترو والطبيب أرنستو تشي جيفارا من تحقيق نصر عسكري كاسح مدعوم جماهيريا على النظام الاستبدادي الكوبي برئاسة الطاغية باتيستا.

ذلك النصر تم على مرأى ومسمع الإدارة الأميركية آنذاك والتي لم تبد أي اعتراض أو تذمر حيال تلك الخطوة الثورية التي حدثت عند الخاصرة الجنوبية للولايات المتحدة إلا بعد مرور عامين عليها وتحديدا في عام 1961 عندما أعلن زعيم الثورة الكوبية كاسترو عن الطابع الاشتراكي للدولة الكوبية.

مما أثار حفيظة السيد الرأسمالي في الشمال وسخطه وأدى إلى فرض أطول وأقسى حصار اقتصادي في التاريخ البشري لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا، رغم كل أوجه المعاناة التي يواجهها الشعب الكوبي المغلوب على أمره في جميع مناحي حياته اليومية.

النصر الكاسح الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة حدث أيضا على مرأى ومسمع الإدارة الأميركية الحالية وسائر حكومات البلدان الغربية التي تبنت العملية الديمقراطية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ورعتها .

وأشرفت عليها من ألفها إلى يائها،لكن ما أن راحت تعلن النتائج الأولية غير الرسمية لهذه الانتخابات مظهرة فوزاً كاسحاً لحركة حماس، حتى بدأت تلك الحكومات بالتهديد والوعيد ومحاولة فرض الشروط على من أوصلته صناديق الاقتراع إلى الغالبية البرلمانية بصورة ديمقراطية نظيفة.

ومع إعلان النتائج الرسمية التي أعطت لحماس 74 من أعضاء المجلس التشريعي تصاعدت الضغوط الغربية على حركة المقاومة ومن خلفها الشعب الفلسطيني إلى أن توجت في اليومين الأخيرين بقرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يشترط على القوة الفائزة ديمقراطيا والمؤهلة تشريعيا لتشكيل الحكومة الفلسطينية المقبلة الاعتراف بالدولة العبرية .

والتخلي عن سلاح المقاومة، ما يعني أن مسألة تشكيل حكومة فلسطينية جديدة باتت من أشباه المستحيلات أو من المستحيلات فعلا وقولا، ذلك أن الحركة ما كانت لتحقق هذا النصر الكاسح والإجماع الجماهيري منقطع النظير لو لم يكن برنامجها السياسي قائماً بالأساس على التمسك بهاتين النقطتين تحديدا واللتين ان كانتا تعكسان شيئا، إنما تعكسان رفضا فلسطينيا عاما لمسيرة اتفاق أوسلو المتوج بفشل ذريع سببه الرئيس لا يخرج عن إطار تعنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

الجميع يدرك تماما أن حركة حماس ونظيراتها من الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم تعمل وفق أجندات استراتيجية تأخذ أحيانا بعين الاعتبار المجريات المرحلية والمؤقتة في الحياة السياسية، لكنها لا تسمح لنفسها أبدا بأن تطغى تكتيكاتها المرحلية على الجوانب والأهداف الاستراتيجية التي تعكس ماهية وجودها.

وبالتالي، فإنه من غير المتوقع، حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن، أن تنحني الحركة أمام عاصفة الضغط الدولية وتتراجع عن المسببات التي أوصلتها إلى موقع الغالبية البرلمانية.

مثلما حدث ويحدث في الجزيرة الكاريبية القصية، يبدو أن مجريات الأحداث في فلسطين تتجه نحو مرحلة متجددة من الصراع ربما تتواصل لعشرات السنين عنوانها الرئيس هو الطلاق الكامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيما .

وان المشهد السياسي داخل الكيان الصهيوني لا يختلف بالمرة عن نظيره الفلسطيني، فكل المؤشرات والمعطيات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن ميزان القوى الخاص بالحراك السياسي الداخلي يميل إلى حد كبير لصالح القوى المتشددة الرافضة لأي نوع من الحوار أو التفاوض مع الفلسطينيين والداعية إلى اتخاذ إجراءات وتدابير أحادية الجانب هي الوحيدة، برأي هذه القوى، الكفيلة بتأمين الحد الأمني الأدنى المطلوب إسرائيلياً.

هذا التصعيد الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد حركة حماس يؤكد فيما يؤكد أن آخر ما يثير اهتمام المجتمع الدولي والدول المسيطرة عليه هو الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ، فجل ما يمكن ملاحظته في هذه المنطقة الحيوية من العالم يتجسد في فتح ملفات شائكة لا تغلق أبدا إلى درجة تبدو معها .

وكأنها خارج حدود الزمان والمكان الذي نعيش فيه، بدءا من الجزائر ولبنان ومرورا بالعراق وليس انتهاء بفلسطين طبعا، فضلا عن المحاولات والجهود الحثيثة التي تبذل على قدم وساق لفتح ملفات شائكة أخرى جديدة في بلدان أخرى في المنطقة.