يقول المؤرخ السياسي البريطاني الكسندر كامبل إن أهم المتطلبات الأساسية لقيام ديمقراطية فاعلة في بلد ما هي وجود طبقة متوسطة في ذلك البلد، كبيرة الحجم بما يكفي ومتماسكة بما يكفي وتملك ثقة كبيرة بالنفس لاحتلال مكانة مرموقة في حياة المجتمع.

ويشير تاريخ أوروبا وأميركا الحديث بالفعل إلى قيام الطبقة المتوسطة بدور ريادي مهم، ليس فقط في تأسيس وصيانة الديمقراطية، بل وأيضا في دعم عمليات التصنيع وزيادة النشاطات الاقتصادية والإسهام في بناء المجتمع الصناعي وتشكيل طبقاته الاجتماعية الرئيسية.

وقبل كتابات كامبل بقرن ونصف تقريبا قال كارل ماركس مؤسس الاشتراكية العلمية إن الديمقراطية هي الإطار المجتمعي لعمل الطبقة البرجوازية وأداتها الرئيسية لصيانة حقوقها في المجتمعات الرأسمالية.

وانطلاقاً من رؤية اجتماعية ـ سياسية هالها عمق النزعة الاستغلالية للرأسمالية، توقع ماركس انهيار النظام الرأسمالي، واختفاء الطبقة البرجوازية أو الطبقة المتوسطة صاحبة المصلحة في بقاء النظام الديمقراطي، وقيام الاشتراكية على أنقاض الرأسمالية.

وهذا من شأنه، كما توقع ماركس حدوثه ونادى بإحداثه، انتقال السلطة إلى الطبقة العمالية وقيام الديمقراطية في مجتمع قائم على المساواة وخالٍ من الطبقات والطبقية.

في المقابل، وبسبب خوف الرأسماليين من الفكرة الاشتراكية، خاصة بعد نجاحها في إثبات وجودها في عدة دول كنظام حكم سياسي وإدارة اقتصادية بديل للرأسمالية والديمقراطية، اندفع قادة الدول الرأسمالية عموما إلى إقرار العديد من سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادية والاجتماعية .

وذلك بهدف تخفيف حدة النزعة الاستغلالية للرأسمالية وإضعاف الإغراءات الاجتماعية للفكرة الاشتراكية. ولقد كان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الرأسمالية - الديمقراطية في حينه فرض نظام تصاعدي للضرائب على الدخل.

والاعتراف بحقوق العمال في التنظيم والتفاوض الجماعي مع أصحاب العمل والإضراب عن العمل عند الحاجة، وإقرار سياسات اجتماعية لمساعدة الفقراء وحماية الأطفال من الاستغلال، والاهتمام بقضايا التعليم والتدريب المهني وقيم العمل والإنتاج، والالتزام بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص للجميع.

كان من النتائج البارزة لسياسات الإصلاح الاجتماعية تلك الحيلولة دون اتساع فجوة الدخل كثيرا بين الطبقات الاجتماعية، والإسهام في تقوية حجم ونفوذ وتماسك الطبقة المتوسطة بوجه عام.

وإضعاف دوافع قيام الطبقة الرأسمالية الثرية باستغلال الطبقة العمالية الفقيرة. من ناحية ثانية، أدى هذا التطور إلى تخفيف حدة الصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العمالية.

وإلى دمج العمال ممثلين في اتحاداتهم العمالية في النظام الرأسمالي العالمي كطرف مشارك في عمليات النهب والاستغلال التي قادتها الشركات الاحتكارية والدول الاستعمارية في أجزاء كثيرة من العالم.

وهذا جعل عمال الدول الاستعمارية أصحاب مصلحة حقيقية في استمرار وازدهار المشروع الاستعماري عامة، وبقاء المستعمرات في وضع اقتصادي متخلف وتابع للاقتصاديات الرأسمالية في الدول الرأسمالية المهيمنة خاصة. ومما ساعد على تحقيق تلك الأهداف استمرار التوسع الاقتصادي، وتسارع معدلات النمو في الإنتاج والاستهلاك، واتساع نطاق التجارة الخارجية.

وفي الواقع، شهد الاقتصاد الغربي الرأسمالي عامة، والاقتصاد الأميركي خاصة، نموا في حجم الإنتاج والإنتاجية والاستهلاك على مدى عقدين ونصف العقد خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية لم يسبق له مثيل، مما أدى إلى نمو حجم ونفوذ الطبقة العمالية والطبقة المتوسطة على السواء.

ولقد تبع ذلك تعزيز مشاعر أبناء الطبقتين المتوسطة والعمالية بإمكانية تسلق السلم الطبقي من خلال العمل الجاد والمثابرة والمشاركة الفاعلة في العملية السياسية ودعم العملية الديمقراطية.

إلا أنه بينما كانت معدلات نمو ونفوذ الطبقتين المتوسطة والعمالية في التصاعد، كانت حظوظها في التراجع، وذلك بسبب تزايد معدلات الارتفاع في الإنتاجية، وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادية، والتسابق نحو الاستهلاك، وتصاعد معدلات النمو في الواردات.

وعلى سبيل المثال، بينما بلغ حجم عمال الصناعة في أميركا مع نهاية الخمسينات من القرن الماضي حوالي 40% من الأيدي العاملة، تراجعت نسبتهم إلى حوالي 25% في منتصف السبعينات، وإلى أقل من 13% في عام 2000.

وحيث ان عمال الصناعة يعتبرون مصدراً هاماً من مصادر تفريخ الطبقة المتوسطة، فإن تراجع حظوظ طبقة العمال أدى إلى تراجع حظوظ الطبقة المتوسطة كذلك.

ومما ساهم أيضا في إضعاف الطبقة المتوسطة من الناحيتين السياسية والاقتصادية، سيطرة التيار الفكري اليميني المحافظ على الحكم لفترة طويلة في أهم الدول الديمقراطية، وهي الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وبريطانيا.

وقيام ذلك التيار بإقرار سياسات اقتصادية وبرامج اجتماعية ذات مردود سلبي على الفقراء والعمال وأبناء الطبقة المتوسطة على السواء. ولقد تسببت تلك السياسات والبرامج في تراجع معدلات النمو الاقتصادي خلال عقدي السبعينات والثمانينات بوجه عام.

ودخول الاقتصاد الرأسمالي عامة حالة غير مسبوقة من التضخم والبطالة والكساد، وارتفاع معدلات الفائدة على القروض، والتوجه بقوة نحو اقتصاد السوق، وخفض الحواجز الجمركية أمام الواردات، وخفض الضرائب على الأغنياء.

أما من النواحي الاجتماعية فإن نتائج تلك السياسات والبرامج كانت سلبية للغاية بالنسبة للعملية الديمقراطية، وسيئة وعميقة بالنسبة لكافة طبقات وفئات المجتمع فيما عدا أبناء الطبقة الثرية والنخبة الإعلامية.

إذ تسببت في زيادة فقر الفقراء ومضاعفة ثراء الأثرياء، وعزل الطبقة الفقيرة عن المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والثقافية، وانعزال الطبقة الثرية عن الإسهام الفعال والمسؤول في قضايا التنمية الاقتصادية، وتراجع قدرات الطبقة المتوسطة على الإسهام في تطوير التجربة الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إلى جانب ذلك شهد عقد الثمانينات تبلور العملية الإعلامية - المعلوماتية كأهم عملية مجتمعية وقيامها بالاستيلاء على الدور التقليدي للحزب السياسي في المجتمع الرأسمالي. ولقد مكنها هذا التطور من التلاعب في الرأي العام من خلال تشكيله وإعادة تشكيله، وصياغة وإعادة صياغة أذواق المستهلكين، وخلق حاجات لم تكن معروفة من قبل من خلال الترويج لبضائع قبل إنتاجها.

وهذا جعل أبناء الطبقتين العمالية والمتوسطة يفقدون استقلالهم وحرية الاختيار التي توفرت لهم في الماضي، ويقعون تحت رحمة نخبة إعلامية ذات أهداف طبقية لا تخدم بالضرورة مصلحة الشعب أو الوطن.

إن إطلاق العنان للنزعة الاستغلالية الفردية القائمة على الربح المادي وعلى توظيف المصلحة العامة لخدمة المصلحة الخاصة، والقيام في الوقت ذاته بإضفاء قدر كبير من الشرعية على مواقف مجتمعية سلبية كالجشع.

وإلقاء مسؤولية الفقر على الفقراء أنفسهم، وإعفاء الأغنياء من مسؤولياتهم تجاه الآخرين والمجتمع، أدت في مجموعها إلى تفكك المجتمع وضعف الإحساس العام بالمصلحة الوطنية.

ويقول بطل فيلم وول ستريت مؤكدا هذا التوجه ومكرسا شرعيته: الجشع شيء جيد يخدم صاحبه، الجشع هو الشيء الصحيح، إنه يوضح الأمور على حقيقتها ويعكس روح التطور في هذا العصر.

ولقد عبر روبرت رايش، وزير العمل في إدارة الرئيس كلينتون الأولى (1992-1996)، عن وضع الطبقة المتوسطة وأسباب تراجعها في عام 1994 بقوله « إن الأميركيين ارتبطوا معا خلال معظم سنوات القرن العشرين نتيجة لفعل عاملين قويين:

تهديد الحرب الباردة لنظام حياتهم والذي كان الاتحاد السوفييتي مصدره الأساسي، واقتصاد أميركي حيوي وقوي استطاع تغذية نمو الطبقة المتوسطة باستمرار.

أما اليوم فإن فعل القوتين أصبح يسير في اتجاهين متعاكسين ونحو الزوال. لقد انتهت الحرب الباردة بشكل مفاجئ دراماتيكي، وهذا أزال الإحساس بالخطر وقوته التضامنية بين أبناء الشعب الواحد.

أما الطبقة المتوسطة فقد انهارت ببطء وهدوء عبر السنوات، وبينما شاهدناها تحتضر يوما بعد يوم، لم نستطع، ولأسباب غير معروفة، رؤية النهاية إطلاقاً». وبانهيار الطبقة المتوسطة انهارت أهم دعائم العملية الديمقراطية في المجتمع الغربي عموما، والمجتمع الأميركي خصوصاً.

professorrabie@yahoo.com

أكاديمي أميركي من أصل عربي