التعليم أولاً، والتعليم ثانياً، والتعليم ثالثاً.لماذا نقول التعليم رغم أن الحياة زاخرة بأشياء كثيرة، ربما يرى البعض أنها تفوق التعليم أهمية وتتقدم عليه بمراحل، كالاقتصاد الذي غدا عصب الحياة مثلا؟
للإجابة عن سؤال كهذا سوف يضطرك الأمر إلى سرد حكاية شرحها يطول، تبدأ بالرسالات السماوية ولا تنتهي بالاستراتيجيات الحديثة وخطط التنمية التي تولي التعليم اهتماماً كبيراً، وتضعه على رأس أولوياتها، وتعتبره واحدا من أهم شروط نجاحها.
لهذا كله كان اهتمام دولة الإمارات بالتعليم منذ قيامها كبيراً، وكان تركيز المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ ببناء الإنسان عظيما، لأنه كان يؤمن بأن الإنسان لا المال هو الثروة الحقيقية.
وكان يؤكد دائما أنه لا فائدة للمال إذا لم يسخر لبناء الإنسان. ولا يختلف اثنان على أنه لا يبني الإنسان شيء كالتعليم باتفاق كل الشرائع والملل والأديان.
ولذلك كان اهتمام الدولة ببناء المدارس ودور المعرفة كبيرا لأنها المصانع التي تخرِّج أفراد المجتمع الصالحين رجالا ونساء. وقد انعكست سياسة اهتمام الدولة بالتعليم على الميزانيات الضخمة التي كانت ترصد لوزارة التربية والتعليم ومؤسسات التعليم العالي منذ قيام الدولة.
ومن الظلم والإجحاف أن ننكر الجهود الكبيرة التي بُذلت على مدى أكثر من عقود ثلاثة في مجال التربية والتعليم، إذ لولاها ما كان لهذه النهضة أن تكتمل، وما كان لهذا البناء أن يقوم على أسس راسخة وقوية، ولما رأينا هذه الأعداد الكبيرة من أبناء الإمارات المتعلمين في كل المجالات والميادين.
ولكن لأن التطور من سنن الحياة التي تقتضي عدم الوقوف عند حد معين من النجاح مهما كان حجم هذا النجاح، فضلا عن أنها ترفض التراجع والجمود اللذين لا يتفقان مع طبيعة العصر ومنطق الحياة، فقد كان من المنطقي جدا والواجب أن يتم الالتفات إلى ضرورة تطوير التعليم في الدولة وإحداث نقلة نوعية فيه بعد أن كثر الحديث عن تراجعه وتعددت الآراء حوله.
وقد جاءت أولى الإشارات إلى ذلك في دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أثناء ترؤس سموه لاجتماع المجلس التنفيذي لإمارة دبي عندما أكد ضرورة إعداد وتنفيذ استراتيجية قابلة للتطبيق في قطاع التعليم.
واعتماد خطة عمل لتطوير وتحديث هذا القطاع الذي اعتبره منطلقا وركيزة حيوية لمسيرة التنمية الشاملة. واتساقا مع هذه النظرة كان تشكيل مجلس دبي للتعليم بهدف الارتقاء بهذا القطاع في إمارة دبي بمستوياته كافة.
وصولا به إلى المعايير العالمية، مع الحفاظ على الأصول والثوابت الثقافية والفكرية والاجتماعية لدولة الإمارات، ولتعزيز دور المؤسسات التعليمية في بناء مجتمع واقتصاد مبني على المعرفة.
على أن يمارس المجلس اختصاصاته بالتعاون والتنسيق مع جميع الجهات المعنية بالعملية التعليمية في الدولة، ويتولى اقتراح أنظمة تختص بتطوير التعليم في إمارة دبي، ووضع معايير التعليم بمختلف قطاعاته في الإمارة.
والتأكد من تطبيقها، وتنمية دور المؤسسات التعليمية وتعزيز مشاركتها في المستقبل، وإطلاق مبادرات تعليمية تسهم في رفع كفاءة ومستوى التعليم في الإمارة، والتعاون مع وزارة التربية والتعليم والجهات المعنية بتطوير التعليم، ونشر الوعي بأهمية التطوير المستمر في العملية التعليمية.
وفي اجتماع مجلس دبي للتعليم الذي ترأسه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي دليلا على الاهتمام الذي يوليه لهذا القطاع، ركز سموه على العنصر البشري كلبنة صلبة يعتد بها ويعتمد عليها في تنفيذ استراتيجية الارتقاء بمستوى التعليم بجميع فروعه.
ومراحله التي رسمها المجلس لتطوير أداء الهيئات التدريسية والإدارية في مدارس دبي الخاصة والحكومية، وصولا إلى تأهيل وإعداد جيل قادر على مواكبة العصر والتعامل بوعي وإدراك ودراية مع متطلباته التقنية والذهنية والعملية.
هذه الاستراتيجية التي تستند إلى تدريب وإعداد الكوادر الوطنية الشابة لتصبح جديرة بتحمل مسؤولية التطوير في قطاع التعليم الحكومي والخاص.
ولأن التعليم مسؤولية المجتمع كله بقطاعيه العام والخاص، فقد أطلق الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في الثاني عشر من شهر ابريل عام 2005 مؤسسة «الإمارات» التي أُنشئت بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة كي تمثل مبادرة للشراكة بين القطاعين العام والخاص لتعزيز العلاقة بين القطاعين.
وتتلخص مهماتها في توفير موارد مالية ثابتة ودائمة للعديد من مراكز التفوق والمؤسسات التعليمية، وللعمل كقاعدة انطلاق للمشاريع المستقبلية بنظام الشراكة بين القطاعين.
وقبل أسبوع أعلن مجلس أبوظبي للتعليم عن مشروع رائد للشراكة بين المجلس والقطاع التعليمي الخاص في إمارة أبوظبي، يهدف إلى وضع حجر الأساس لبناء نظام تعليمي جديد في الإمارة، يواكب تطلعات القيادة في إحداث تطوير جذري للموارد البشرية المواطنة خلال المرحلة المقبلة.
حيث سيعهد إلى عدد من المؤسسات التعليمية الخاصة المتميزة في الإمارة وخارجها بالإشراف التربوي والإداري على عينة مختارة من مدارس رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية.
وقد أشار سمو الشيخ محمد بن زايد رئيس مجلس أبوظبي للتعليم، مدشناً المشروع، إلى أن تحدي تطوير التعليم هو من التحديات الجسام التي تتطلب تضافر جهود القطاعين العام والخاص، في سبيل تحقيق المصلحة الوطنية.
كما أكد سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة نائب رئيس مجلس أبوظبي للتعليم أن غاية المجلس هي رفع مستوى التعليم في المدارس الحكومية إلى أعلى المستويات العالمية، كما أن الشراكة الذكية بين القطاعين العام والخاص تعتبر نموذجا فريدا ومبتكرا، يضمن توظيف أفضل الخبرات والتجارب الناجحة للمؤسسات التعليمية الخاصة والحكومية في الدولة.
ويحقق الاستقلالية البناءة لإدارات المدارس، ويضمن جودة المخرج التعليمي ومشاركة فاعلة ونوعية لأولياء الأمور، بينما يمثل الطالب محور مشروع الشراكة، والمؤشر الرئيسي لتقييم نجاح المشروع.
كل هذه المبادرات والجهود التي تصب في مجرى تطوير التعليم لاشك أنها نابعة من الإحساس بقصور في العملية التعليمية، تظهر آثاره في مخرجات التعليم المتدنية التي يلمسها الجميع ويعترف بها القائمون على العملية التعليمية أنفسهم.
وذلك لأسباب عديدة لخصها الدكتور حنيف حسن مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم في (نظم الإدارة المدرسية غير الفعالة، وعدم صلاحية المناهج التعليمية.
وعدم كفاءة طرق التدريس والتقويم، وعدم توفر التقنيات الحديثة في التعليم أو عدم استخدامها على الوجه الأمثل، وسوء حالة المباني المدرسية، وقصر اليوم الدراسي والعام الدراسي على حد سواء، وغيرها من المشاكل في قطاع التعليم).
أسباب لاشك أن معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التربية والتعليم أدرى الناس بها، ومشاكل لاشك أن معاليه أقدر الناس على إيجاد الحلول الناجعة لها، شريطة توفر الإمكانات والأدوات التي تمكن القائمين على العملية التعليمية من تنفيذ خططهم ورؤاهم المدروسة، لأن من يضع يديه في الماء ليس كمن يضع يديه في النار كما يقول المثل الشعبي المعروف.
مسيرة قاربت المئة عام من التعليم شبه النظامي والحديث، بدأت قبل قيام الدولة وتواصلت معها، هي الآن بحاجة إلى هزة تنفض عنها ما تراكم عليها من غبار، رغم كل الخطط والرؤى التي تعاقب على وضعها الخبراء .
ولم تجد طريقها للتنفيذ، لأن إيقاع الزمن الذي تسارع لم يعد يقبل الأنماط الجامدة والبطيئة. فهل حان الوقت لإعطاء التعليم الأولوية والاهتمام اللذين يستحقهما، أم أن علينا انتظار المزيد من المبادرات الذكية لإنقاذ العملية التعليمية من الهاوية التي هي ماضية إليها؟
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إماراتي