كلمة

مع ضجيج الأصوات السياسية، وأزيز الرصاص، والحملة المنظمة ضد الإرهاب، كانت أمريكا تتصرف وكأنها السيد الوحيد لشؤون العالم، حتى أن تسمية الحلفاء التقليديين بالغرب بالقدماء والجدد، واعتبار مجلس الأمن والأمم المتحدة مجرد أصوات مساندة لفرض ما تريده أمريكا، بدأ مع الأيام الماضية يتحول عن ما يشبه الواقعية الحذرة، وإن ظلت الكبرياء طاغية..

فبوش وأركان السلطة القائمة لم تعد محاور التحدي فيما يطرحونه هي صور عالم ديمقراطي، وآخر مستبد، أو تشكيل صور الإرهاب والدول الخارجة عن القانون، والتبشير بعالم (مؤمرك) وإنما التحدث بصوت واضح عن قضية التطور السريع الذي تقودانه الهند والصين، وكيف تحافظ أمريكا على تقدمها التقني، والعسكري، والاقتصادي من أي خلل قادم..

فإذا كان التقدم الاقتصادي والعلمي في الحضارة الغربية قام على نهب الثروات لشعوب العالم، واستعمارها من أجل تصدير منتجاتها لأسواق تلك الدول، فإن الصين والهند اعتمدتا الجهد الذاتي الذي جلب الاستثمارات وخلق معجزة جديدة تختلف عن عقود السنوات الماضية حين غرقنا في مشاحنة الغرب باسم الشيوعية المادية في الصين، أو دولة عدم الانحياز في الهند التي لم تخف عداءها مع الغرب، وكان هذا التحييد لقوة البلدين نفع الغرب ولم يساعد الشرق الشيوعي على قلب موازين القوى، وهنا، عندما حدث الانقلاب الأكبر في حياة القطبين الآسيويين، والتي جعلت الرأس في الصين شيوعياً، وباقي الجسم رأسمالياً، أن تخطت بهذا النموذج صورة الماضي، وتحولت الطاقات الساكنة إلى ملحمة كبرى في الإنتاج والتقدم العلمي والاقتصادي، وغزو السوق العالمي..

في الهند تحدث خطة مماثلة، وإن ظل النظام بكليته ديمقراطياً، إلا أن عوائق البيروقراطية القديمة التي فرضت التأميم للعديد من المنشآت ومصادر الدخل، أوجبت الاتجاه إلى رأسمالية متدرجة، وقد استفادت من المهاجرين الهنود بالعالم الذين، ما أن انفتحت بلادهم على الاقتصاد الحر، حتى تحولت إلى أكبر مستوطنة للبرمجيات والتقدم التكنولوجي، والذي قاد بدوره بقية قوائم الاقتصاد في المناحي الأخرى..

الغرب منزعج من المزاحمين الجدد، والذين لا يتوفر ما يوقفهم، أو يضعهم في الخلف، لأن عوامل كثيرة أخذت تطغى على هذه المسارات، وأولاها الطاقات البشرية التي قادت التنمية بدواعي التحدي الإيجابي ثم مركزهما الدولي والقاري وهي العوامل التي ستؤسس لعالم القطبية القادمة..