مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية الاسرائيلية تدريجيا، والتي من المقرر اجراؤها يوم 28 اذار المقبل فان كل حزب او كتلة سياسية مؤهلة لخوض الانتخابات تحاول ان تعرض امام الناخب الاسرائيلي ما تتصور انه اكثر اجتذابا لصوته، من البرامج والمواقف ازاء المشكلات والقضايا الداخلية والخارجية، وتبذل كل ما في وسعها لتملق عواطفه واسترضاء توجهاته - لا سيما بخصوص العلاقات مع الجار الفلسطيني وكيفية الخروج من اتون الصراع العربي - الاسرائيلي بأقل الخسائر الممكنة، وبأعلى نسبة ديموغرافية يهودية في الدولة العبرية ضمانا لما يسمى بالديمقراطية الاسرائيلية الامنة.
وبما انه لا توجد مواصفات دقيقة للتوجه السائد في المجتمع الاسرائيلي تجاه مفهوم »دولة اسرائيل الديمقراطية ذات الاغلبية اليهودية غير المشكوك فيها« فان التكتيكات او الاجتهادات العملية لتحقيق هذا الهدف تختلف من حزب الى اخر، ومن كتلة الى كتلة ثانية، وذلك بناء على الايديولوجية السياسية او القومية او الدينية، والنتيجة الحتمية لهذا التباين هي الشعارات على المنطقة كلها، وعلى عملية السلام بصورة خاصة، هي التي تعتمد اسلوب القوة، والحل العسكري المطلق، ومنطق »دعوا الجيش ينتصر« في حسم الصراع مع الجانب الفلسطيني وامتداده العربي المحتمل.
وهكذا تتحول الحملة الانتخابية الاسرائيلية، وهي تحولت بالفعل، الى مزاد يتنافس فيه زعماء الاحزاب على من يمتلك العصا الاطول، والاغلظ في التعامل مع الفلسطينيين ومن هو الاقدر والاذكى، والاكثر دهاء على تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية، والقيام بخطوات احادية الجانب : سواء بضم الكتل الاستيطانية الكبيرة الى اسرائيل ام باخلاء بعض المواقع الاستيطانية هنا وهناك، ومحاصرة الاراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع فعليا، مع الادعاء في الوقت ذاته بان الانسحاب الاسرائيلي قد تم من بعض المناطق والحقيقة ان ما وقع او سيقع مستقبلا لم ولن يكون سوى اعادة انتشار للقوات الاسرائيلية من داخل منطقة ما الى محيطها وهذا ما حدث في قطاع غزة وشمالي الضفة.
ويخطئ قادة الاحزاب والكتل الاسرائيلية السياسية اذا اعتقتدوا او توهموا بان التشدد ازاء الفلسطينيين هو الورقة الرابحة التي تكسبهم المقاعد النيابية في الكنيست الاسرائيلي.
فهذا الاسلوب لم يحقق لشمعون بيرس الاغلبية التي كان يطمح اليها في انتخابات العام 1996 رغم انه امر بقصف قرية قانا في جنوب لبنان وادى القصف الى مجزرة فظيعة استشهد فيها ما يزيد عن المائة طفل او امرأة او رجل، كما ان اعتماد ايهود باراك لنهج القوة لقمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، خلال الشهور الاولى التي اعقبت اندلاعها، كانت نتيجته الوحيدة هي فوز خصمه ارئيل شارون باغلبية كاسحة في انتخابات العام 2001.
والحكمة الذهبية التي يتوجب على السياسيين الاسرائيليين العمل بموجبها هي ايضاح الحقائق للجمهور الاسرائيلي - لا سيما التأكيد على ان استمرار الاحتلال والاستيطان هو السبب في معاناة الاسرائيليين والفلسطينيين معا. والمخرج الوحيد من هذه المعاناة هو الاسراع بانهاء الاحتلال وتصفية الاستيطان ويكفي الجانبين ما كابداه من مآس وكوارث نجمت في الاساس عن تجاهل هذه الحقيقة وتملق المتطرفين على حساب الغالبية العظمى من الاسرائيليين.