لا شك أن إعادة نشر الرسومات المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في صحف أوروبية، بعدما نشرتها في البدء صحيفة «غيلاندز بوستن» الدنماركية، والتي أثارت مشاعر الغضب الشعبية والرسمية في العالمين العربي والإسلامي، تثبت أن هناك سلاحاً فعالاً في أيدينا تخلينا عنه لفترة طويلة.
وأدخلناه في سبات عميق سواء عن قصد أو من دون قصد، ما أدى بنا إلى أن نصبح فريسة سهلة لأعداء هذه الأمة الذين تكالبوا عليها من كل اتجاه.
هذا السلاح الذي تخلينا عنه، هو سلاح المقاطعة للبضائع والسلع التي تنتجها الدول التي تعتدي على حقوقنا ومقدساتنا ورموزنا الدينية، وهو سلاح وان بدا ظاهرياً غير مؤثر أو فعال إلا انه في الحقيقة غير ذلك، والدليل على ذلك تلك الهستريا التي انتابت وسائل الإعلام الغربية سواء في فرنسا أو بريطانيا أو اسبانيا وغيرها.
والحقيقة أن هذا السلاح الذي أيقظناه في وقت نحن أحوج إليه، هو بلا شك الوجه الآخر لسلاح العصيان المدني الذي رفعه غاندي في وجه الاحتلال الانجليزي، ودفعه في نهاية المطاف إلى مغادرة الهند والإقرار بحقها في الحرية والاستقلال.
فغاندي الذي أيقظه العرب والمسلمون الآن، كان أسس ـ كما يذكر موقع ويكيبيديا الالكتروني ـ ما عرف في عالم السياسية بـ «المقاومة السلمية» أو فلسفة اللاعنف وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد، ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف.
وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولاً ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.
ولا يعتبر غاندي أن اللاعنف عجزاً أو ضعفاً، ذلك لأن «الامتناع عن المعاقبة لا يعتبر غفراناً إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا».
وهذا لا يعني كذلك عدم اللجوء إلى العنف مطلقاً، فالهدف من سياسة اللاعنف في رأي غاندي هو إبراز ظلم المحتل من جهة وتأليب الرأي العام على هذا الظلم من جهة ثانية تمهيدا للقضاء عليه كلية أو على الأقل حصره والحيلولة دون تفشيه.
من هنا فان إعادة تفعيل سلاح المقاطعة وشحنه بطاقات الغضب، احتجاجا على الإساءة إلى ديننا ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، يجب أن يكون خطوة أولى على طريق استخدامه في ميادين أخرى، من اجل ردع كل من يحاول أن يستغل ضعفنا لاغتصاب حقوقنا السياسية والاقتصادية وحق دولنا في التحرر من الاستعمار وهيمنة الاحتلال، كما هو الحال في فلسطين والعراق.
ليس هذا فقط، بل إن استخدام هذا السلاح من قبل الشعوب العربية والإسلامية، التي لديها بالتأكيد خيارات أوسع وأكثر حرية من خيارات النظم، سيجبر الكثير من هذه النظم في النهاية على عدم التغريد خارج السرب، والانضمام إلى حركة الشارع والانحياز إلى تطلعات ورغبات الشعوب، غير عابئة بالضغوط الغربية، التي تحاول تصوير الإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أنها جزء من حرية التعبير التي يتمتع بها الإعلام الغربي.
وهى كلمة حق يراد بها باطل، إذ أن هؤلاء الذين يتشدقون بحرية التعبير، مصابون بدرجة عالية من النفاق، حيث لا يجرأون على سبيل المثال على التشكيك بمحرقة اليهود، وان تجرأ احد منهم على ذلك تقوم القيامة له، رغم أن المحرقة واقعة تاريخية تقبل الكثير والعديد من الروايات التي يمكن التشكيك في صحتها وصدقيتها.
أي أنها لا تتمتع بقدسية الرموز والمعتقدات الدينية الإسلامية، التي يحاول الإعلام الغربي جعلها في مرتبة اقل من الوقائع التاريخية، وبالتحديد المحرقة، خوفا من السلاح الشهير الذي يرفعه اليهود وهو «معاداة السامية».
من هنا فانه ينبغي علينا ـ شعوب وحكومات ـ عدم إدخال سلاح المقاطعة إلى المخازن مرة أخرى، وان نستنسخ تجربة استخدامه في الدفاع عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في ميادين أخرى، حتى تستنهض الأمة قواها، وتستعيد كرامتها التي تهان على أرض فلسطين والعراق. أما إذ لم نبن على هذه الانتفاضة الشعبية.
وتخلينا مجددا عن سلاح المقاطعة وأمرنا غاندي بأن يعود إلى النوم، فان أعداء الأمة سيدركون أن نفسنا قصير جدا ومن ثم فلن يتغير شيء وسيبقى الحال على ما هو عليه من ظلم وإجحاف وكرامة مهانة وأرض محتلة وشعوب تتألم تحت نيران الاحتلال.. فأيهما سنختار اذن؟