شكّل انعقاد مؤتمر «هرتسليا» السادس، مؤخراً، فرصة لمختلف القادة الإسرائيليين لطرح وجهات نظرهم إزاء مختلف التحديات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها إسرائيل، وضمنها التحدي المتعلق بما يسمى الخطر الديمغرافي، ومستقبل الأراضي المحتلة وخيارات التسوية مع الفلسطينيين.

بدايةً جدير بنا التذكير بأن الجهة المنظمة لهذا المؤتمر هي «المركز متعدد المجالات» للسياسة والاستراتيجية، الذي يترأسه عوزي أراد، وهو من المسؤولين السابقين في الموساد (على مدى 25 عاما) وعمل مستشارا سياسيا لبنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، والزعيم الحالي لحزب الليكود.

ويعقد هذا المؤتمر (في العادة) في الشهر الأخير من كل عام، منذ العام 2000، وقد تخصّص في بحث «ميزان المناعة والأمن القومي» لإسرائيل.

ويشارك في فعالياته أركان الحكومة وقادة الأحزاب وخبراء إسرائيليون وأجانب، في السياسة والاقتصاد والأمن، بحيث بات هذا المؤتمر، وبفترة قصيرة من أهم منابر الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية في إسرائيل.

ففي المؤتمر الأول (ديسمبر 2000)، مثلاً، والذي عقد بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، تمحورت المناقشات حول ما يسمى «الخطر الديمغرافي» الفلسطيني، وتنشيط الهجرة اليهودية.

وفي المجال السياسي اعتبر المؤتمر أن عملية التسوية استنفدت نفسها وأن المطلوب سياسة جديدة لتنسيق عمليات التفاوض المستقبلية، عبر التنسيق مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وعقد المؤتمر الثاني (ديسمبر 2001) في مناخات الحرب الأميركية ضد الإرهاب، حيث تم توظيف هذه الحرب في خدمة السياسة الإسرائيلية، وفي تقويض صدقية الكفاح الفلسطيني.

وفي مؤتمر هرتسليا الرابع (ديسمبر 2003) استغل ارييل شارون، هذا المنبر، للتحذير من «الخطر الديمغرافي»، على صورة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وكمركز روحي وقومي ليهود العالم. وفيه طرح لأول مرة فكرته عن التنازلات «المؤلمة»، وعن إمكانية الانفصال عن الفلسطينيين.

أما مؤتمر «هرتسليا» السادس (افتتح هذه المرة يوم 21/1) فتنبع أهميته من انعقاده في مناخات انتخابية، وفي ظل الانعطافات الحاصلة في السياسة الإسرائيلية إزاء عملية التسوية مع الفلسطينيين بعد الانتفاضة، وبعد الانقسام في معسكر اليمين، على خلفية الانقسام بشأن الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.

ويتبيّن من تفحّص المداخلات السياسية، التي قدمت في هذا المؤتمر، بشأن التسوية مع الفلسطينيين، أولاً، أنه ثمة انزياح في السياسة الإسرائيلية من موقع اليمين إلى الوسط، وأن هذا الانزياح، الذي توّجه شارون بتشكيل حزبه «كديما» (بعد الانشقاق عن الليكود)، بات يشمل معظم الأحزاب الإسرائيلية.

وضمنها الليكود ذاته، خصوصا أن استطلاعات الرأي تؤكد وجود غالبية إسرائيلية تؤيد إجراء انسحابات جديدة في الضفة وتفكيك لبعض المستوطنات.

ثانياً، أن ما يسمى «الخطر الديمغرافي» الفلسطيني، بات في مركز اهتمام مختلف الأحزاب الإسرائيلية، والدافع الأكبر لها للبحث عن خيارات الانفصال عن الفلسطينيين، للحفاظ على طابع إسرائيل وصورتها كدولة يهودية وديمقراطية.

ثالثاً، أن معظم الأحزاب الإسرائيلية باتت تعي استحالة استمرار السيطرة على الفلسطينيين، وصعوبة التملّص نهائيا من عملية التسوية، لأن ذلك سيؤدي إلى استمرار التآكل في مكانة إسرائيل الخارجية وظهورها بمظهر الدولة الاستعمارية العنصرية، التي تسيطر على شعب آخر بالقوة.

رابعاً، يمكن الاستنتاج، في هذا الإطار، بأنه إذا كانت الانتفاضة الأولى (1987ـ 1993) استطاعت جلب إسرائيل إلى التسوية والاعتراف بحق الفلسطينيين في كيان، فإن الانتفاضة الثانية، التي اندلعت أواخر العام 2000 (بما لها وعليها)، كرّست الوعي لدى الإسرائيليين بأهمية التحرّر من عبء الاحتلال.

وبالتالي الانفصال عن الفلسطينيين، سواء تم ذلك بالتوافق معهم عبر المفاوضات، أو بشكل أحادي على غرار ما جرى في قطاع غزة، وأيضا خلقت القابلية لديهم بإمكان قيام دولة فلسطينية، وهذا أمر على غاية الأهمية.

هكذا ففي خطابه أمام المؤتمر(24/1) أكد ايهود أولمرت، القائم بأعمال رئيس الحكومة، والرئيس المحتمل لحزب «كاديما»، بأن على إسرائيل أن تقوم بأسرع ما يمكن بترسيم حدودها بحسب الواقع الديمغرافي.

وبحسب أولمرت فإن «وجود غالبية يهودية في إسرائيل لا يتماشى مع السيطرة على التجمعات الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة..الخيار بين الرغبة في إتاحة السكن لكل يهودي في أي مكان في أرض إسرائيل، وبين وجود إسرائيل كدولة يهودية، يلزم بالتنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل».

وقال أولمرت: «نحن نفضل الاتفاق، ولكن في حال لم يلتزم الفلسطينيون بتعهداتهم بموجب خارطة الطريق، فإننا سنضمن المحافظة على تنفيذ المصلحة الإسرائيلية بكل طريقة..

بإمكان الفلسطينيين، إذا تركوا الإرهاب، أن يحصلوا على الاستقلال في دولة فلسطينية في حدود مؤقتة قبل أن تتم تسوية المسائل الشائكة المرتبطة بالحل الدائم».

وبالطبع فقد نوّه أولمرت في كلمته بأن إسرائيل، سواء بموافقة الفلسطينيين في المفاوضات أو من خلال فرضها ضمن خطوات أحادية الجانب، تصر على الاحتفاظ بالمناطق الأمنية والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، علاوة على إبقاء القدس «موحدة» عاصمة لها وإخراجها من دائرة الحل أو المفاوضات.

ورفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين. برغم كل ذلك فثمة أهمية لتأكيد أولمرت بأن «وجود دولتين قوميتين، يهودية وفلسطينية، هو الحل بالنسبة للطموحات القومية للشعبين».

من جهته، عرض رئيس حزب العمل عمير بيرتس، في المؤتمر، برنامج حزبه للتسوية، فاقترح «تعويضا لكل مستوطن يوافق على ترك بيته في الضفة الغربية»، «والتخلي عن المناطق للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع الفلسطينيين بحلول سنة 2010»، من دون أن يعني ذلك العودة «إلى حدود 1967».

وبرأي بيرتس فإن «الكتل الاستيطانية في الضفة ستبقى ضمن الخريطة الإسرائيلية..وأن القدس يجب أن تبقى عاصمة إسرائيل إلى الأبد». ولم يستبعد «التوجه نحو انفصال أحادي الجانب، في حال عدم وجود شريك (فلسطيني)».

أما بنيامين نتانياهو (زعيم الليكود) فقد كان المؤتمر بمثابة فرصة لعرض خطته السياسية، التي تضمنت انتهاج: سياسة «العصا والجزرة»، «تقليص الاحتكاك مع الفلسطينيين»، «التبادلية»، «كل الخطوات يجب أن تأتي لمكافأة السياسة المسؤولة ومعاقبة السياسة الإرهابية»، «التوصل إلى اتفاق سلام يستدعي تنازلات من الطرفين، بما في ذلك التنازل عن مناطق من جانبنا». وأكد نتانياهو أن خطته تشمل:

«تفكيك مواقع استيطانية غير قانونية.. تخفيف التواجد العسكري في المناطق، وتقليص عدد الحواجز وزيادة حرية الحركة للفلسطينيين».

وعرض نتانياهو رؤيته عن حدود دولة إسرائيل، قائلاً: «حدود إسرائيل يجب أن تتضمّن غور الأردن، صحراء يهودا، القدس الموسعة، الكتل الاستيطانية وكذا المناطق المشرفة على غوش دان والسهل الساحلي».

وأشار نتانياهو إلى نيته نقل جدار الفصل شرقا بحيث يضم المزيد من البلدات اليهودية، مؤكداً، أيضا، انه يرفض انسحابا من جانب واحد من أراضي الضفة الغربية من دون اتفاق.

مع كل ذلك لم يستطع نتانياهو التهرب من الواقع، إذ أكد نيته العمل على الانفصال بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بقوله: «مع شريك ومن دونه نحن نتطلع إلى فصل أقصى بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. سنكون مستعدين لحلول وسط حقيقية.

سأسعى إلى استئناف المفاوضات على التسوية الدائمة.. لن نعود للسيطرة على التجمعات الفلسطينية، وليس لدينا نية لضم مناطق». وفي خطابه وعد بأن يطرح على الاستفتاء الشعبي كل اتفاق سياسي».

ورغم أن نتانياهو امتنع عن أن يذكر بكلمات صريحة الحل الذي يطرحه للوصول إلى دولة فلسطينية، أكد مقربون منه بأن «الحديث يدور عن خطاب برغماتي. نتانياهو يعرض خطة لحل وسط إقليمي.

ونحن بالتأكيد لسنا حزبا يمينيا متطرفا. نحن حزب يميني ـ وسط». وعندما سُئل نتانياهو هل هو نفسه يؤيد إقامة دولة فلسطينية أجاب: «اتركوا شيئا للمفاوضات أيضا». وطبيعي أنه ثمة من رأى في الخطاب محاولة للانسجام مع خط الوسط السياسي في إسرائيل. (يديعوت أحرونوت 23/1/2006).

على ذلك وكما قدمنا فإن عنوان التسوية المقبل ربما يكون الصراع على شكل الدولة الفلسطينية وحدودها، وهذا بالتأكيد رهن بنتائج الانتخابات الإسرائيلية.

كاتب فلسطيني