فازت «حماس» فوزاً ساحقاً، واستحوذت على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني «74 مقعداً من 132، بنسبة 56%»، وفاز «الإخوان» في مصر ـ قبلها بشهرين ـ بنسبة 20% من مقاعد مجلس الشعب.
وهم بفوزهم فرحون، وهو حق مشروع، وقد أحدث فوز حماس زلزالاً سياسياً شبهه البعض بـ «تسونامي» ديمقراطي هز العالم. وحار أكثرية المحللين في عوامل الفوز، بين قائل بأن فساد السلطة وانصرافها إلى تملك الفاخر من السيارات والعقارات.
وتدهور الأوضاع وشيوع البطالة ونقص الخدمات والتسيب الأمني ومنازعات «فتح» مهد لفوز حماس، وقائل بأن حالة الإحباط العام للشارع الفلسطيني نتيجة عجز السلطة عن تحقيق برامجها وشعاراتها هي العامل الأهم في ضوء نجاح حماس في تقديم كل الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية وقربها من نبض الشارع.
وهناك من ركز على العامل الخارجي متمثلاً في نقمة الشارع على التسلط الإسرائيلي والانحياز الأميركي والتذبذب الأوروبي.ومهما تكن الأسباب فإن العامل الأهم الذي تغافل عنه الأكثرية، هو عامل «التدخل الدولي» فلولاه لما أمكن لحماس وللإخوان من تحقيق أي فوز.
ولاستمرت «السلطة» القريبة في ممارساتها التقليدية المستمرة نصف قرن من التدخل في الانتخابات بالترغيب والترهيب والتزوير والرشاوى، ولم يكن ممكناً للإسلاميين ان يحلموا بالوصول إلى «السلطة» أو عتبات «البرلمان».
لقد رفض «مثقفونا» الإشراف الدولي على الانتخابات ـ وهو ضرورة ـ إذ لا يمكن إجراء انتخابات عربية نزيهة بدون إشراف دولي وفوز حماس والإخوان يؤكده.
لقد أصبح العامل الخارجي هو اللاعب الرئيسي فيما سمي «ربيع الديمقراطية» ولولاه ما أمكن إجراء «3» انتخابات الأنظمة العربية التي تعاني جموداً مزمناً.
لولا التدخل الدولي وضغطه ما تنفست شعوبنا نسائم الحرية ولاستمر من يعيثون فساداً، في الأرض العربية، يسومون شعوبهم سوء العذاب وينتهكون كرامات الإنسان العربي ويهدرون ثروات الشعوب في سبيل مغامراتهم الجنونية.
هل كان ممكناً تحرير العراق من نظامه القمعي بدون التدخل الخارجي؟! من حرر الكويت من الغزو البربري؟! من أنقذ المسلمين في كوسوفو والبوسنة من الإبادة؟! من خلص الإسلام والمسلمين من نظام طالبان المتخلف؟!
من حرر الأفغانية الأسيرة؟! من مكن «أفغانستان» من إجراء انتخابات ووضع دستور؟! وكما يقول خليل حيدر، كانوا «آلات حرب بشرية تكتسي اللحى والبراقع»!! من دك مملكة «القاعدة» ودمر أوكارها وشرد زعيمها؟
من الذي يساندنا لمواجهة الغول الإرهابي المستشري؟! من ضمن للخليج هذا الاستقرار والرخاء الاقتصادي الذي ننعم به؟! من يكبح جماح إيران النووي؟! أليس هو التدخل الدولي الذي جعل «ليبيا» تغير سلوكها وتعترف بأخطائها وتسلم جناتها؟!
هل كان «العرب» بشعاراتهم الفارغة وبعقيدتهم القومية المتحجرة وبجامعتهم العاجزة قادرين على ذلك؟! لقد اعترف القذافي الابن ـ في أعنف هجوم على سياسة والده ـ وقال «رفعنا شعارات لم نكن أهلاً لها».
هل كنا قادرين على إخراج «سوريا» من لبنان؟ هل كنا قادرين على تشكيل لجنة تحقيق وتكتب تقريراً على شاكلة «ميليس»؟
التدخل الدولي ـ وحده ـ حقق هذا، وهو الذي ضمن لانتفاضة لبنان ان تحق أهدافها. «الحل العربي» هو «الحلم العربي» كما تقول الكاتبة البحرينية «سوسن الشاعر» وهو أعجز عن حل أية مشكلة داخلية فضلاً عن القومية.
«المسألة الصحراوية عمرها «30» عاماً وهي تعمق خلافات «الاتحاد المغاربي» وتصيبه بالشلل والعرب عاجزون ولولا التدخل الدولي لتفاقمت المشكلة.
ومشكلة «الجنوب السوداني» عجز عنها «الاتحاد الإفريقي» و«الجامعة العربية» ولولا التدخل الدولي ما أمكن الحل، ومثلها مشكلة «دارفور».
وأما «الصومال» فقد نساها العرب وتركوها نهباً للفصائل المتصارعة بعد سحب القوات الدولية منها. وحتى «تركيا» لم تغير ممارساتها ضد الأكراد والأرمن لولا الضغوط الأوروبية وما كانت لتفتح أوروبا أبوابها لها لولا الضغوط الأميركية.
هل كنا سننصف نساءنا ونمنحهن حقوقهن السياسية، ونمكّنهن من المناصب القيادية ونعيد النظر في تشريعات الأحوال الشخصية لولا الضغط الدولي؟ هل كنا نراعي حقوق الأقليات الدينية والمذهبية والقومية لولا التدخل الدولي؟ هل كنا نصون حقوق الطفل ومنع الإساءة إليه واستغلاله لولا الضغط الدولي؟
هل كنا نهتم بتحسين ظروف العمالة الوافدة والمعاملة الإنسانية لولا الضغط الدولي؟ التدخل الدولي هو الذي يكبح جماح (التغالب) العربي ضد بعضهم بعضاً.
لولا التدخل الدولي لغرق العالم العربي في فوضى عارمة ولاستمر حكم الطاغية العربي في ممارسة التصفيات الجسدية وزوار الفجر الذين يأخذون الضحية إلى ما وراء الشمس، فلا هو (حي) يرجى رجوعه ولا هو (ميّت) يترحّم عليه.
لقد تأكد أنه لا سبيل أمام العرب لاختراق حواجز التخلف والقهر والتعصّب إلا بسلطان خارجي. لقد انتهى ذلك العصر الذي يحبس الحاكم شعبه خلف أسوار (السيادة) ليمارس فيهم نوازعه القمعية المكبوتة والموروثة من الطفولة البائسة.
لقد أصبح العالم (معلوماً) يتدخل بعضه في بعض بسبب أن (المصلحة) مشتركة، وكذلك (الضرر) مشترك. وهيهات أن يدعنا العالم وشأننا بعد أن أصابه (الضر) و(السوء) منا! هيهات أن يتركونا لجهالتنا وتعصباتنا!!
لقد أصبح موضوع إصلاح (العالم العربي) شأناً خارجياً أكثر منه داخلياً عبر مبادرات دولية للإصلاح. وعلى هؤلاء الكتاب الذين تتملكهم الهواجس التآمرية .
ومازالوا أسرى ايديولوجيات قومية ودينية جاهلية أن يدركوا أن مناصرتهم للأنظمة العربية القمعية بحجة الخوف على «الهوية» و«الخصوصية» والتمسك ب«السيادة» غير مجدية الآن.
وهؤلاء: الذين ذهبوا ليصفّقوا ويهللّوا لخطاب حماسي قال لهم (إن سيادتنا فوق الجميع) واهمون. لقد انتهى زمن التحصّن ب(السيادة) لممارسة الاستبداد الداخلي وتكريس الديكتاتورية والمفاهيم الشمولية.
(ألمانيا) التي قال زعيمها (ألمانيا فوق الجميع) زال، وبفضل التدخل الدولي أصبحت ألمانيا قوة اقتصادية و(اليابان) مهد الثقافة الإمبراطورية الاستعلائية لم تصبح قوة اقتصادية إلا بفضل التدخل الدولي الذي قوّض تلك الثقافة.
لا مجال للحساسية من التدخل الدولي، فنحن نتدخل في الشأن الخارجي وبدورهم يتدخلون، فلا معنى لسيادة التراب على حساب حقوق الإنسان وكرامته.
والمد الديمقراطي العولمي قد وضع قيوداً صارمة على سلطات الدولة المطلقة على مواطنيها والسيادة الوطنية المستبدة في طريقها إلى الزوال مع تفعيل القانون الدولي الإنساني.
لقد قالها الرجل الشجاع الأمير طلال (أهلاً بالضغوط إذا كانت لمصلحة الدول العربية)، وبدوري أقول: ليتهم يستمرون في التدخل إذا كان الهدف إصلاح أحوالنا، وتغيير أوضاعنا إلى الأفضل، إنه تدخل محمود نحن ندعمه ولا نخشاه.
كاتب قطري