الانتصار المفاجئ الذي حققته حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة أثار جملة من الردود التي تحاول إيجاد تفسير له.

ولعل أكثر العبارات ترددا كان أن فلسطينيي الأرض المحتلة أقدموا على «تصويت احتجاجي»، بمعنى أن «فتح» هي التي خسرت وليست «حماس» هي التي ربحت. إذا كان من احتجاج مبرر فهو على هذا التفسير الناقص والقاصر عن الإحاطة بما جرى.

يتوجب التسليم بأن هناك من كان يريد الاحتجاج على «فتح» و«السلطة الوطنية»، فمن طبيعة كل انتخابات أن تسمح للمواطنين بقول رأي في سلوك الحكم والحزب الذي يسنده ويدعمه. إلا أننا، في الحالة الفلسطينية، كما في حالات أخرى تعرف التعددية، فإن الاحتجاج يمكنه أن يتخذ مسالك عديدة.

كان في الإمكان، مثلا، الاحتجاج على «فتح» بالاقتراع ل«الجبهة الشعبية»، أو لتحالف «الجبهة الديمقراطية» و«حزب الشعب» أو للتيار الليبرالي الممثل بوزير المالية السابق سلام فياض وحنان عشراوي، أو لقائمة مصطفى البرغوثي الذي سبق له أن حقق نتيجة جدية في الانتخابات الرئاسية قبل نحو سنة..

. كانت الخيارات متاحة لمن يريد أن يوصل إلى «فتح» رسالة اعتراض. ولكن الذي حصل هو أن أكثرية فلسطينية ملموسة اتجهت نحو «حماس». إذا، لا يكفي «الاحتجاج» تفسيراً.

إن من اختار «حماس» لم يفعل ذلك نكاية ب«فتح» حصرا بل لأنه أراد أن يقول، في الوقت نفسه، رأيا إيجابيا بها بمواقفها بسياساتها بتجربتها في العمل الأهلي، بسلوكها في البلديات التي تقودها، في برنامجها، في علاقاتها العربية والإقليمية، في التضحيات التي قدمتها في السنوات الأخيرة.

ويجب أن نضيف أن الميل إلى «حماس» متأت أيضا من أنها بدت الأكثر أهلية في تشكيل بديل، أي لأنها ذات قاعدة شعبية تمكنها من استقبال أي حدث وجعله مفيداً ومدخلاً إلى «التغيير والإصلاح».

عندما حاول الرئيس الأميركي جورج بوش أن يخرج من ورطته، ورطة الدعوة إلى الديمقراطية وملاحظة أنها تأتي بخصوم للولايات المتحدة، اخترع نظرية الاحتجاج وقصرها على الجوانب الداخلية الفلسطينية:

فساد، سوء إدارة، نقص خدمات الخ.. وقد جاراه الكثيرون من الذين لا يرون في الواقع الفلسطيني سوى التنافس بين «فتح» و«حماس»، أو بين السلطة والمعارضة، على كيفية إدارة الوضع الفلسطيني بمعزل عن أنه وضع شعب لا يزال خاضعا للاحتلال ولا يزال في مرحلة تحرر وطني.

نعم، لقد احتج الفلسطينيون عبر «حماس» على وضع معين ولكنه وضع يتسم بميزتين لا يمكن إنكارهما. الأولى هي أن الإدارة السلطوية تعاني من جوانب خلل فاضح لم يعد ممكنا السكوت عنه. الثانية، والأهم، بما لا يقاس هي الاهتمام.

والاحتلال لا يعني فقط منع تقرير المصير ومصادرة الحقوق الوطنية بل يعني أيضا التحكم في الحياة اليومية للناس، والحواجز، ومنع التجول، ومصادرة الأراضي، والتجريف، والإهانات، والتحكم بمصادرة الثروة والدخل، والسجون، وفصل غزة عن الضفة.

ورفض تحويل الأموال المتوجبة، والضغط على الحياة المدنية والثقافية والدينية، وقطع الاتصال بالخارج الخ.. بكلام آخر، إن الاحتلال ليس فكرة مجردة. إنه عنصر يتحكم بحياة الشعب الفلسطيني ويتحمل القسط الأكبر من المسؤولية مما يعانيه الملايين وذلك في أبسط التفاصيل المعيشية.

إن إسرائيل حاضرة في حياة الفلسطينيين الفعلية أكثر من حضور الحكم الذاتي، والاحتجاج، بهذا المعنى، هو احتجاج على الاحتلال قبل وأكثر من أن يكون احتجاجا على فشل ما في إدارة الحياة الداخلية وإدارة العلاقة مع إسرائيل.

عبر الفلسطينيون بالانتخابات عن وجود أكثرية واضحة لديهم تشمل قواعد «فتح» فقدت ثقتها بالمسلك التفاوضي الذي لم يؤد، منذ انطلاقه، إلى نتائج ملموسة تترجم نفسها تحسنا قابلا للإقناع.

لقد سئم الفلسطينيون، كما يبدو، المنطق السائد لدى السلطة الذي يقصر «الفن التفاوضي» على التسليم لإسرائيل والتأقلم معها وإعطاء الأولوية المطلقة لكسب الرأي العام الإسرائيلي والدولي. فهذا المنطق الذي يشكل العمود الفقري لسياسة ما بعد ياسر عرفات لم ينتج شيئا.

ولم يعد ممكنا الدفاع عنه بعدما بات واضحا أولا أن إسرائيل ألغت، من جانبها، «اتفاق أوسلو» وأن العالم وافقها على ذلك، وأن «خريطة الطريق» هي وسيلة لمغادرة توافقات سابقة من أجل الدخول في خطوات انفرادية تفرضها إسرائيل من طرف واحد.

إلى ذلك، أراد الفلسطينيون الاحتجاج على انحيازات أميركية وغربية إلى إسرائيل في صيغتها الشارونية ثم في الصيغة التي يمثلها إيهود أولمرت وحزب «كاديما». لقد تواصلت هذه الانحيازات حتى ما قبل الانتخابات بساعات حين انهالت التهديدات بعزل الفلسطينيين وتجويعهم إذا فازت «حماس».

ولو أن ذلك حصل مصحوبا بوعد ما، بتسوية ما عادلة في الأفق، لكان ممكنا الارتباك أمامها، إلا أنها جاءت على شكل استفزازي سافر بحيث أرغم الفلسطيني العادي على التصرف، بواسطة صناديق الاقتراع، وكأنه مواطن ذو حقوق لا يقبل أن يكون مجرد متسول.

ويمكن لنا أن نرى في التصويت الفلسطيني قدراً من الاحتجاج على تدهور الكيانية الفلسطينية لتصبح محصورة في الضفة والقطاع مع احتمال أن ينشأ تفارق يهدد وحدة الأرض الفلسطينية المحتلة بفصل القطاع وبفصل مدن الضفة عن بعضها.

لقد بدت «حماس» أكثر قدرة على تأمين التواصل بين الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وبينه وبين الشتات، وبينه كشعب وبين العرب والمسلمين.

وتقضي الحقيقة القول أن أسبابا عديدة قادت إلى نوع من التباعد بين الفلسطينيين من جهة والعرب والمسلمين من جهة ثانية، وأن الجميع يتحمل مسؤولية ذلك.

وبهذا المعنى، فإن نتيجة الانتخابات جاءت لتعيد وصل ما انقطع ولتضع القضية الفلسطينية، مجددا، في صلب السياسات العربية والإقليمية، وفي صلب صراعاتها، وفي صلب تحديدها لموقفها من «الخارج».

لم يكن الشعب الفلسطيني شعبا «احتجاجيا» وعدميا في خياره. ولقد رأى، في هذه اللحظة التاريخية، أن «حماس» هي الأقدر على تمثيل طموحاته. يبقى على «حماس»، الآن، أن تدرك حجم المسؤولية الملقاة عليها، والتي تمثل انعطافة هائلة في تاريخ العمل الوطني الفلسطيني، وأن تكون على مستوى الأمانة المودعة لديها.

كاتب لبناني