دخل الملف النووي الإيراني طور التصعيد النوعي. غادر وكالة الطاقة وصار في يد مجلس الأمن. قضى أكثر من سنتين ونصف من المفاوضات بحثاً عن صيغة تسوية مقبولة، من الجميع. لكنه بالرغم من التوافقات الجانبية، غرق في المراوحة.

كانت مرحلة شراء وقت، كل طرف حاول خلالها تحسين شروطه بالنهاية وصلت إلى الطريق المسدود وانتهت اللعبة. الآن صارت القضية محكومة بقواعد جديدة.

والوقت لم يعد عاملاً مساعداً. على العكس صار عنصر ضغط. ففي السادس من الشهر المقبل، على وكالة الطاقة النووية تقديم تقريرها، الذي يتوقف عليه وإلى حدّ بعيد، ما قد يتخذه مجلس الأمن من خطوات أو قرارات.

وصبّ في مجرى التسخين ما قررته طهران في ردها على رفع الملف إلى مجلس الأمن، حين سارعت إلى استئناف تخصيب اليورانيوم ووقف تعاونها الطوعي ـ على أساس البروتوكول الملحق ـ مع وكالة الطاقة النووية.

مشهد الفعل ورد الفعل، نقل الموضوع إلى مصاف الأزمة المفتوحة والمسار الذي أخذه يستحضر السيناريو العراقي. على الأقل من حيث أوجه الشبه في ما بدا وكأنه بدايات الإخراج. مع ان الفوارق كثيرة: في الخلفية والظروف. فالملف الإيراني تمّ، حتى الآن، نقله إلى مجلس الأمن، من باب إبلاغ هذا الأخير، بالمجريات والتطورات التي رافقته.

حتى الآن ليس في الأمر إحالة مبنية على خروقات وانتهاكات موثّقة، لميثاق وكالة الطاقة ـ التي تنتسب إليها إيران بالعفوية ـ فهذه الأخيرة مشتبه بها، من قبل الغرب، بانها تنوي تصنيع أسلحة نووية. لكن لا زعم بأنها تمتلكها. على الأقل حتى اللحظة.

بالاضافة إلى ذلك هناك على الطاولة مشروع مخرج عرضته روسيا ـ بتخصيب اليورانيوم فوق أراضيها وتصديره إلى إيران.

صحيح ان إيران لم توافق عليه لغاية الآن. لكنها لم ترفضه بل ان رئيس الوفد الإيراني لدى وكالة الطاقة أعلن ان بلاده «تعيد النظر في الاقتراح الروسي». يعني ذلك ان الأبواب ما زالت مفتوحة، وما زال هناك فاصل شهر من الزمن ـ لصدور تقرير الوكالة للبتّ في هذا الخيار.

الآن بدأت جولة جديدة من لعبة العض على الأصابع وحرب التهويل. الأميركيون يصعدون خطابهم بعضهم يتحدث بلغة ـ عدم استبعاد الخيار العسكري ـ السناتور ماكين وطهران تهدد بوقف التعامل كلياً مع الوكالة.

لكن في المقابل هناك مؤشرات ان العملية لم تخرج من تحت السيطرة ولم تصل بالتالي إلى نقطة اللاعودة. فمن إيران نفسها تصدر أصوات تحذير من «الكلفة الباهظة»، ومن روسيا أيضاً تصدر النصائح التي تحضّ إيران على التعاون «الكامل» مع وكالة الطاقة.

الأمر الذي يوحي بأن الفرص مازالت قائمة للاستدراك والتوافق على تسوية، ولو مؤقتة.

إيران تصرّ على التمسك بحقها في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وذلك أمر لا جدال فيه. يقر به حتى خصومها كما انها تشكو من ازدواجية المعايير لدى الغرب الذي لا يرشق إسرائيل بإشارة ولو خجولة، في الموضوع النووي، وهي التي تملك ترسانة مدمرة من هذا السلاح وهذا صحيح ولا جدال فيه.

لكن الصحيح أيضاً ان للظروف ـ التوازنات الدولية ـ أحكامها، وان البراغماتية نهج معمول به في عالم السياسة. وإيران تعرفه جيداً وقد مارسته، ومن غير المجازفة القول بأنه لن تعوزها المهارة لممارسته في اللحظة المناسبة من هذه الأزمة.