نعم.. «من يهن يسهل الهوان عليه»وسيبقى صدر هذا البيت من شعر المتنبي عنوانا ثابتا لحال الأمة الإسلامية إلى ان تثبت لأهل الغرب أنها أقوى مما يفترضون. حتى ذلك الحين يبقى استهتار الغرب بنا وبعقيدتنا وقيمنا ورسولنا ساري المفعول كفرضية تسندها مسوغات على أرض الواقع.
هكذا فان الإساءة المباشرة الفاجرة إلى رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لم تنطلق من فراغ.. فهي تأتي كأحدث طبقة من تراكمات فوق تراكمات من الاهانة القصوى قبلناها وابتلعناها ضمن سياق لا ينتهي من الاستهزاء والاستخفاف والتحقير العمد.
ولننظر فقط في الواقع القريب الذي تشكل في أعقاب «أحداث سبتمبر» 2001 التي لا تزال تداعياتها تتوالى وتتفاعل ضد المسلمين كأمة وضد الإسلام كعقيدة ومنهج حياة.
في غضون ثلاث سنوات فقط بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن جرى شن حربين على شعبين من شعوب العالم الإسلامي أفرزتا احتلالا عسكريا ينشر الدمار ويكرس البؤس.
وبناء على ضغط أميركي شاركت حكومات إسلامية في ضرب أفغانستان والعراق بتوفير غطاء من المشروعية السياسية لواشنطن ومدد من المعلومات الاستخبارية.
كان ذلك إيذانا واستهلالاً قبيحا لدخول بعض الحكومات الإسلامية عهداً من الاستسلام والاستخذاء على الفور هرعت إلى بلدان إسلامية فرق من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الأميركي لتتولى بنفسها إدارة الأجهزة الأمنية في تلك البلدان.
تضع خططاً وتدبر ملاحقات محلية تعقبها اعتقالات عشوائية لتبدأ بعد ذلك مسلسلات من التعذيب الوحشي، على خلفية عمليات اغتيال على أساس الشبهة فقط، وبإيجاز بدا وكأن حكومات إسلامية فقدت سيادتها الوطنية. وبعد ذلك كان التجاوب مع طلبات أميركية وأوروبية هي بالأحرى أوامر:
قالوا إنه يجب «تجفيف المنابع المالية للإرهاب». وتحت هذا العنوان الفضفاض جرت محاصرة جمعيات خيرية تساعد الفئات البائسة من البشر المسلمين في شتى بقاع الأرض وأخرى تعمل في مجال نشر الإسلام. وامتدت شبكة المحاصرة لتشمل المساعدات النقدية والعينية إلى فصائل المقاومة الفلسطينية وأسر الشهداء.
وتجاوبت الحكومات الإسلامية دون تردد وحتى دون أن تسائل واشنطن عن تعريف محدد للإرهاب. وبذلك ركب أرييل شارون الموجة فأمر باجتياحات دموية في المخيمات الفلسطينية وعمليات اغتيال لرموز وكوادر المقاومة طالت حتى شخصيات في قامة الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، كل ذلك باسم «مكافحة الإرهاب»، وبمباركة ودعم من حكومات إسلامية، بل وسكوت شعوبها.
ويتوالى مسلسل الهوان، فتنصاع حكومات إسلامية لدعوة أميركية إلى تغيير المناهج الدراسية بما في ذلك تخفيف الجرعة الدينية في الصفوف الدراسية والالتفاف حول التفسيرات الصحيحة للقرآن الكريم.
لماذا إذن لا يستهين الغرب بنا؟ فالإساءة العلنية إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرمز الأعظم للعقيدة الإسلامية هي الحصيلة الطبيعية لاستسلامات تراكمية لاشك أنها خلقت انطباعا لدى الطبقة الحاكمة والشارع في الغرب بأن المسلمين ـ حكومات وشعوبا ـ فقدوا الإحساس بالكرامة الذاتية.
والسؤال إذن هو: كيف نسترد كرامتنا ونفرض وجودنا كأمة مع خصم لا يرعوي عن استخدام أشد الأساليب انحطاطا.