اقرأ هذا: «كلما تنازلت كلما قل احترام الغرب لك، الغرب لا يحترم الأمانة.. انه يحترم القوة. إن من الخطأ التكتيكي أن تواصل تقديم تنازلات. لقد قدمنا تنازلات بما يكفي. وقد أبلغت عرفات؟ أنهم لن يحترموك حتى إذا تجردت من ملابسك وأعطيتها للإسرائيليين ليتدفأوا بها..».
كان ذلك في عام 1989. ولم يكن المتحدث في قيادات حماس «المتطرفين». كان ذلك خالد الحسن أحد قادة فتح والذي كان يوصف حتى رحيله عن الدنيا بأنه «معتدل».
وبالطبع تجاهل عرفات النصح. فبعد أربع سنوات دخل تلك المحادثات السرية ـ ومعه محمود عباس أبو مازن ـ التي عقدت في العاصمة النرويجية أوسلو مع جهابذة اليهود الأميركيين بترتيب من وزير خارجية النرويج ستين اندرسون ـ وهو أيضاً يهودي.
الآن لا يحتاج قادة حماس الذين اكتسحوا الانتخابات النيابية إلى خالد الحسن لأنهم رأوا رأي العين ما آل إليه عرفات وما آلت إليه القضية.
ما طلب من عرفات حينئذ هو بالضبط ما يطلب اليوم من حماس ـ دون مقابل.
كان التنازل الأكبر للرئيس السابق هو الاعتراف باسرائيل «وحقها في الوجود» كخطوة أولى. أما الخطوة التالية هو الاقلاع عن «الارهاب» نهائياً: أي شطب بند الكفاح المسلح من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية ثم اشعال عود ثقاب في كتيب الميثاق.
مقابل ماذا؟
حتى عرض «الحكم الذاتي» مع تأجيل قضايا الوضع النهائي ـ أي جوهر القضية ـ لم ينفذ، وذلك ان صلاحيات رئيس السلطة الوطنية صارت عند التطبيق أقل من صلاحيات ضابط مجلس بلدي.
الآن اختلف الظرف ـ بانتقاله إلى الأسوأ، فما بين ابرام اتفاق أوسلو في عام 1993 وفوز حماس الانتخابي في عام 2006 ـ 13 عاماً حسوما ـ استثمرت اسرائيل الفسحة الزمنية التي أتاحها لها عرفات في تغيير وجه الأرض المحتلة: توسع استيطاني وتهويد وجدار فاصل مع كانتونات وطرق التفافية مما يجعل إقامة دولة فلسطينية عملياً من المستحيل.
والغريب حقا أن خليفة عرفات ـ محمود عباس ـ لا يزال يراهن على نهج التفاوض. ويذهب أبعد من ذلك إلى نصح قادة حماس بالوفاء بما يطالب الاسرائيليون والأميركيون: الاعتراف ونبذ الارهاب.. وكأن عرفات لم يمت تحسراً قبل أن يموت جسدياً.
والتعجب لا يتوقف: هناك مبادرة عربية شاركت في وضعها الرئاسة الفلسطينية تقوم على مبدأ «الأرض مقابل السلام» ومعادلة اعتراف فلسطيني باسرائيل بواسطة الدول العربية كافة يقابله اقامة دولة فلسطينية كاملة الاستقلال وفقاً لحدود 1967.
فلماذا لا يتبنى محمود عباس هذه المبادرة المتوازنة رغم أنها لا تعطي الشعب الفلسطيني سوى 22 في المئة من أرضه الأصلية؟
بكلمات أخرى: لماذا يفضل محمود عباس الشروط الاسرائيلية الأحادية ويتجاهل المبادرة العربية؟ وكأنه محامي دفاع عن الجانب الاسرائيلي ـ الأميركي؟
لماذا لا تستخلص الموعظة من حديث الراحل خالد الحسن: «انهم لن يحترموك حتى إذا تجردت من ملابسك وأعطيتها للإسرائيليين ليدفئوا بها أجسامهم؟».