قد تكون «حماس» في مأزق الانتصار الذي حققته في الانتخابات التشريعية، ولكنها بالقطع ليست وحدها في هذا المأزق.. «فتح» أيضا في مأزق قد يكون أشد وأخطر فهو مأزق الهزيمة التي يمكن ـ إذا لم تحسن التعامل معها ـ أن تجر المنظمة التي قادت الكفاح الفلسطيني على مدى أربعين عاما إلى نهايتها.

وأميركا ودول الغرب في مأزق خيبة الرهانات التي حكمت حركتها في السنوات الماضية والتي انحازت للحل الإسرائيلي للصراع، ولن تكون التهديدات ولا منع المعونة هي الحل لهذا المأزق مهما كانت قسوة الظروف التي يعاني منها الشعب الفلسطيني.

النظم العربية أيضا في مأزق التحدي الديمقراطي الذي قدمه الشعب الفلسطيني في هذه الانتخابات، ثم أيضا في مأزق النتائج التي تؤكد أن اختيارات الشعوب بعيدة عن السياسات التي تتبناها الحكومات ـ بإرادتها أو بحكم الظروف والضغوط المفروضة عليها.

. وقبل ذلك كله وبعده هناك مأزق إسرائيل التي تدرك الآن ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ أن سياسة استخدام الخلل في موازين القوة لفرض الأمر الواقع الذي تريده لن تنجح إلا في نسف فرص التسوية السياسية وتفجير الموقف في المنطقة بكاملها.

الكل في مأزق، والوضع يمكن ان يقود إلى كارثة تتجاوز حدود فلسطين بكثير، ولكنه أيضا يمكن أن يكون فرصة لمراجعة تأخرت كثيرا لسياسات خاطئة شارك فيها الجميع وقادت إلى هذا المأزق.

ويمكن أن تكون فرصة لبداية جديدة تعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى وضعه الطبيعي بعد كل التزييف الذي حدث على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وباحتقار الشرعية الدولية، وبانحياز فاضح من القوة الأميركية لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل بصورة فاقت ممارسات النازية وجرائمها.

الكل في مأزق، ومع ذلك فإن التعامل مع الصورة الكاملة للموقف، ومن مختلف زواياها المحلية والإقليمية والدولية، قد يفتح أمام الجميع أبواباً جديدة للأمل.

وقد يثبت أننا أمام فرصة للتصحيح الذي بات مفروضا على الجميع بعد أن ثبت أن الطريق الذي وضعت فيه القضية الفلسطينية عمداً، بفعل فاعل أميركي ـ إسرائيلي، وبغياب كامل للإرادة العربية، لن يقود إلا إلى الانفجار.

حماس التي فاجأها الانتصار الكبير تواجه الآن الموقف الذي مرت به «فتح» منذ قيام السلطة الفلسطينية وهي تحاول المزاوجة بين مسؤولية الحكم وشرعية المقاومة.

وقد أبدت حماس حتى الآن كثيرا من الهدوء والمسؤولية في التعامل مع الموقف، ولكن ذلك لن يكون كافياً، فهي مطالبة في النهاية بالتخلي عن ثوابتها، وهي تواجه حصاراً دولياً يريد إجبارها على التنازل عن سياساتها السابقة.

وتقديم الاعتراف المجاني بإسرائيل والدخول في خندق التسوية الفاشلة حتى الآن، وإلا واجهت سياسة التجويع للشعب الفلسطيني عقاباً له على ممارسة الديموقراطية التي دعي إليها واتهم قبل ذلك بمعاداتها.

و«فتح» تعيش أجواء هزيمة كانت تتوقعها وان لم تقدر حجمها جيداً، ولا شك أن عقاب الشعب الفلسطيني لها كان قاسياً .ولكنها تدرك أن النتائج مازالت تحفظ لها الأمل باستعادة مكانتها إذا أحسنت التصرف وصححت المسار. فالنتائج التي تعكسها القوائم النسبية .

وهي التي تحدد حجم الفصائل السياسية بعيداً عن الأشخاص تقول إن فتح ـ رغم كل الأخطاء والانقسامات واتهامات الفساد والبلطجة والتشرذم ـ تعادلت تقريبا مع حماس (30 مقعداً لحماس و27 مقعداً لفتح) لكن الكارثة الحقيقية التي أصابت فتح كانت في الانتخابات الفردية.

والتي خاضتها بأسماء لم تنل ثقة الناخب ووسط انقسامات خرج فيها الكثيرون على قرارات «فتح» ورشحوا أنفسهم ضد مرشحيها الرسميين فأضاعوهم وضاعوا معهم.

«فتح» بالرجوع إلى نتائج القوائم النسبية ـ ومعها كل القوى اليسارية والقومية والليبرالية ـ على مفترق طريق، فإما أن تصحح مسارها وتجدد نفسها وتستعيد وحدتها وتقضي على الفساد الذي نخر فيها.

وإما أن تتفرق شيعاً وأحزاباً وتكتب كلمة النهاية لمرحلة كاملة من كفاح الشعب الفلسطيني تحت قيادتها بما فيها من هزائم وانتصارات.

وإسرائيل تدرك انها تحصد نتائج سياسة حمقاء تتصور أن مصلحتها في إذلال الفلسطينيين ونهب أراضيهم وفرض الأمر الواقع المستند إلى القوة وحدها .

ومع ذلك فهي تدرك أيضا أن أمامها فرصة لإدخال «حماس» في مشروع التسوية السياسية الذي ترى أن الظروف كلها مهيأة لأن يتم بشروطها ولمصلحتها وعلى حساب الفلسطينيين وأرضهم وحقوقهم المشروعة .

وإذا لم يتم ذلك فهي تريد ـ في ظل التأييد الأميركي غير المشروط لها ـ أن يتم تجميد كل التحركات السياسية، وأن تبقي الفلسطينيين ـ بسلطة تقودها حماس ـ تحت الحصار لعامين او ثلاثة تستكمل فيها بناء الجدار الفاصل ورسم حدودها في الضفة الغربية بضم ما تريده من أراضيها والسيطرة الكاملة على القدس.

النظم العربية تواجه الآن موقفاً لم تواجهه من قبل. فهي الآن مطالبة بالتعامل مع حكومة «حماس» بكل ما تمثله من شرعية ديموقراطية منحتها الجماهير الفلسطينية لهذه الحركة الإسلامية، وبكل ما يمثله ذلك من ضغوط على حكومات عربية أخرى (في مقدمتها مصر والأردن) في تعاملها مع حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها.

والولايات المتحدة بدورها في مأزق قد يكون أخطر .. فما حدث هو اعلان بالهزيمة الكاملة لسياستها في المنطقة، ولمشروعها الذي انهزم قبل ذلك في العراق ويستكمل هزيمته في فلسطين.

فقد ربط اليمين الصهيوني الحاكم في واشنطن سياسة بلاده بمصلحة إسرائيل، ومن أجل ذلك خاضت أميركا حرب تدمير العراق، ومن أجل ذلك أيضا كان الانحياز السافر لسياسة القتل .

وحرب الإبادة التي خاضتها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني، ومن أجل ذلك كان فرض «خريطة الطريق» التي لا تؤدي إلا لاطلاق يد إسرائيل في فرض مشروعها على الشعب الفلسطيني وعلي الدول العربية كلها.

وفي مواجهة الفشل الذي تتحمل واشنطن مسؤوليته الأولى، تلجأ الإدارة الأميركية إلى حشد كل الدول الأوربية وراءها في محاولة حصار السلطة الفلسطينية.

وإجبار حماس على التسليم بشروطها في الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالحلول الأميركية ـ الإسرائيلية التي تهدر الحقوق الفلسطينية وإلا فمنع المعونات هو العقاب على تصديق الشعب الفلسطيني أن الديموقراطية هي طريقه للاستقلال كما تعهدت واشنطن قبل ذلك!

وتتجاهل واشنطن أن الرد الطبيعي على ذلك هو أن السلطة الفلسطينية بقيادة «فتح» فعلت كل ما يطلب من «حماس» الآن.. فماذا كانت النتيجة؟ الاحتلال تزداد وطأته، والأرض تنهب، والضفة يتم تقطيعها، والاستيطان فيها يتعزز، القدس يتم تهويدها.

وسياسة القتل والاغتيال لم تتوقف، وقطاع غزة الذي قيل انه تحرر .. تحول إلى سجن كبير وكأنه احتلال بأقل تكاليف، والسلطة الفلسطينية يراد لها أن تكون مجرد جهاز أمن (أمن إسرائيل طبعا) أما أمن الفلسطينيين أنفسهم فهو آخر ما يمكن لمحتل أن يفكر فيه!

وقد ينجح الحصار في إسقاط «حماس» أو في إجبارها على تقديم التنازلات المطلوبة ! وقد تفشل حماس نفسها في إدارة الأزمة وفي تحمل المسؤوليات الصعبة..

ولكن ماذا سيكون الثمن ؟ وإلى أين سيكون المسار ؟ وهل يتصور أحد أنه من الممكن بعد ذلك أن يستمر النهج نفسه في التعامل مع قضية فلسطين وشعبها؟

لم تكن الانتخابات فقط تصويتاً ضد الفساد الداخلي ولا احتجاجا فقط على انقسامات فتح، ولكنها كانت اعلاناً بسقوط نهج بكامله في التعامل مع القضية الفلسطينية تصور أن إعطاء كل الأوراق لواشنطن سيؤدي إلى تسوية عادلة، فانتهى الأمر بأن انتقلت الأوراق من أيدي واشنطن إلى أيدي تل أبيب، وبسلطة فلسطينية لا تملك من أمرها شيئاً.

وبمقاومة يراد لها أن تعترف بأنها «إرهاب» وبأرض محتلة تحولت بفضل البركات الأميركية إلى ارض متنازع عليها، وبخارطة طريق لا تقول إلى أين يصل هذا الطريق بل تترك كل القضايا الأساسية لتفاوض موعود يقف فيه ممثلو الشعب الفلسطيني وحدهم في مواجهة التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.

إن الدعوة للحصار ومنع المساعدات قد تنجح، ولكنها ستكون فضحية للذين يفتحون خزائنهم لإسرائيل التي تمارس ابشع أنواع الاحتلال وانتهاك القوانين وإرهاب الدولة، ثم يعاقبون شعب فلسطين لانه صدق أنه يمكن أن يمارس حقوقه الديموقراطية حتى وهو تحت الاحتلال، ويقدم نموذجا في الانتخابات الحرة وفي انتقال السلطة سلمياً في بلد يعرف الأطفال فيه معنى مصاحبة السلاح.

الحصار ممكن، والرهان على فشل «حماس» وارد، ولكن الثمن سيكون فادحاً على الجميع. والمصبية أن الذين ساهموا في ذلك هم الذين يهددون بالحصار ويطرحون الشروط وينزعجون من النتائج ويتباكون على هزيمة «فتح» ومصير التسوية ..

وكأن كل شئ كان يسير في طريقه الصحيح، وكأنهم كانوا بالفعل يمارسون أي ضغوط لمنع إسرائيل من ممارسة ابشع صور الإرهاب النازي ضد شعب فلسطين، وكأنهم ساعدوا السلطة في تطبيق الاتفاقات التي كانوا الرعاة لها ثم تركوا إسرائيل تدوسها بالأقدام. أو بالدبابات !!

رغم كل ما أثاره زلزال الانتخابات فهناك فرصة لبداية جديدة تقول : نعم نحن مستعدون للاعتراف بإسرائيل داخل حدود 67 بشرط اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني قبل 67 بما فيها القدس.

ونحن ملتزمون بمبادرة بيروت العربية للتسوية الشاملة، ونحن ملتزمون بقرارات الأمم المتحدة ونطالب كل الأطراف بأن تلتزم بها.. لا أكثر ولا أقل.

هذه الخطوة ينبغي أن تصدر عن جبهة وطنية تتولى المسؤولية في الداخل، وأن تتسلح بقرار عربي من قمة عربية كانت ـ قبل نتائج الانتخابات الفلسطينية ـ تبحث في كيفية تفعيل مبادرة بيروت للسلام، وها هي الفرصة التي ينبغي أن نحسن استغلالها.

وأن نضع الجميع - وفي المقدمة الولايات المتحدة الأميركية ـ موضع المسؤولية عن كل فشل في البحث عن سلام حقيقي، بدعمها غير المسؤول لإرهاب إسرائيل وبرهن سياستها لمصلحة تل أبيب ولو على حساب المصلحة الأميركية نفسها.

نقيب الصحافيين المصريين