هنيئا للشعب الفلسطيني بحيويته المجتمعية وانتخاباته الديمقراطية التغييرية فهو المنتصر الأول في هذه الانتخابات. التسونامي الحماسي أو الزلزال الذي أحدثته حماس كان بمثابة ثورة فلسطينية على الذات هذه المرة.

ثورة التحرر ولدت من رحم ثورة التحرير بعدما انتهت هذه الأخيرة على مشارف بناء الدولة التي لم تقم بعد. ثورة التحرر التي جاءت بحماس قامت ضد وضع لم يعد يحتمل استمراره.

الانتخابات بنتائجها كانت كاشفة للتاريخ الفلسطيني الحديث بانسداداته وأزماته منذ العودة إلى فلسطين مع أوسلو من جهة وكانت كاشفة ومحرضة في جزء منها ضد الحاضر العربي وفلسطين جزء من هذا الحاضر من جهة أخرى. أسباب ثلاثة كانت وراء التسونامي الحماسي.

أولا: الانسداد الكلي في عملية التسوية وهيمنة منطق وسلوكية اللاتسوية في السياسة الإسرائيلية وعلى ارض الواقع الفلسطيني، فارتبك وضعف وفقد خطاب التسوية عند الفلسطينيين مصداقيته وزاد سحر الخطاب المقاوم وخطاب المواجهة والحزم وزادت جاذبيته عند الفلسطينيين. الفلسطينيون لم يصوتوا ضد السلام بل صوتوا ضد غياب أي أمل بالسلام.

ثانيا: الفشل في بناء المؤسسات الوطنية في دولة أوسلو في مرحلة طويلة كان عنوانها الفوضى والفساد وسوء الإدارة وازدياد البؤس الاقتصادي، الاجتماعي.

لقد غابت ثقافة المقاومة ولم تتبلور ثقافة الدولة. فكانت الدعوة للانتظار، انتظار التسوية، على قاعدة ازدياد الانهيار المجتمعي وتفككه هو عنوان المرحلة:

عجز تجاه الخارج والمسؤول عنه الوضع الدولي بشكل كبير وغياب واستقالة من المسؤولية في الداخل، هذه هي المعادلة التي استقرت في فلسطين. ترهلت وتفككت فتح وتحولت إلى منطق الدويلات المتناحرة فيما تطورت حماس معبرة عن هموم المجتمع وملتصقة بمشاكله واهتماماته.

ثالثا: انتصار حماس كان جزءا من الحالة الاحتجاجية والتغييرية الواعدة والبديلة شبه الوحيدة على الصعيد الجماهيري، الحالة التي يمثلها التيار الاسلامي بمدارسه واتجاهاته المختلفة في العالم العربي وهو القوة الفكرية والسياسية والجماهيرية الأولى عربيا.

ماذا عن اليوم التالي: فتح تعيش تحدي إعادة البناء وحماس تعيش تحدي إعادة التموضع والجسم السياسي الفلسطيني كله يعيش تحدي إعادة بناء السلطة .

وإعادة احياء منظمة التحرير الفلسطينية، تحدي حماس هو الأكبر إذ يقوم على كيفية تحويل الشرعية الناتجة عن الاحباط والوعد بالتغيير إلى الشرعية القائمة على الممارسة والنجاح في التغيير، إنه تحدي الانتقال من عالم العقائديات الخلاصية إلى عالم الخيارات المقيدة موضوعيا.

إنه الانتقال من الوعود المطلقة الجذابة إلى السياسات النسبية وهذا ليس بالأمر السهل كما يدل تاريخ الحركات السياسية والفكرية في العالم في مرحلة انتقالها إلى السلطة.

من حق حماس ان تتخوف من محاولات البعض اثقالها بالمسؤوليات الكلية مباشرة لإفشالها ومن حق الآخرين أيضا ان يتخوفوا من احتمال محاولة حماس احداث تقاسم وظيفي للتهرب من بعض الاستحقاقات المطلوبة في السلطة وللحفاظ على دور «الشرطي الجيد» وترك دور «الشرطي السييء للآخرين».

ليس من الصعب ان ترد حماس على حالة الهلع الدولية التي تضع سقف الشروط المطلوب تحقيقها من حماس بشكل عال جدا وضمن قيود زمنية قياسية. فالمطالبة بنبذ العنف والاعتراف بإسرائيل واحترام الاتفاقيات الموقعة هي شروط يجب ان تطالب بها إسرائيل أيضا ضمن منطق التبادلية.

من الطبيعي ان يكون هنالك ارتباك والتباس مقصود أو غير مقصود في خطاب حماس وهي على أبواب مسؤولية السلطة لكن التدرج في طرح الأهداف يساعد مع الوقت في تبلور التدرج في التفكير نحو مزيد من المرونة والقابلية والقبول مع ما قد يحمل ذلك من توترات وانقسامات داخلية ممكنة ولكنها طبيعية.

فمن الصعب وضع العربة قبل الحصان والطلب من حماس القبول الإيديولوجي بإسرائيل، فالاعتراف ولو المشروط بشرعية إسرائيل ينسف الشرعية العقائدية الراهنة لحماس، الراهنة لأن هذه يمكن ان تتغير مع الوقت، لكن القبول الاستراتيجي ممكن ومرتبط بشروط موضوعية مثل «الهدنة الطويلة» مقابل «انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 كما تقول حماس وهذا الموقف يترك الباب مفتوحا أمام القبول لاحقا بمبادرة السلام العربية المرفوضة إسرائيلياً.

ولكن القبول بها يسمح لحماس السلطة ان تمتلك قدرة الهجوم الدبلوماسي والمرونة الدبلوماسية على الصعيد الدولي وتسحب البساط من تحت أرجل «الرباعي» وتسقط «فيتو» هذا الأخير ولكنها تسقط أيضا ورقة أساسية في يد السياسة الإسرائيلية.

إننا على أعتاب مرحلة الولادة الجديدة لحماس وهي جزء أساسي من عملية تجدد الجسم السياسي الفلسطيني بواسطة الثورة الانتخابية.

كاتب لبناني