نريد أن نطرح هذا السؤال ليس فقط على الصحيفة التي نشرت ما يمس كرامة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما على الشعب الدنماركي تلامذة وأساتذة جامعات.

ترى أين كان هذا الشعب في تلك الحقبة من الزمن وكيف كان يعيش الدنماركيون وكيف كان شكل مؤسساتهم الاجتماعية (إن وجدت) عندما هاجر النبي محمد عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة حافيا على قدميه ليضع قواعد العدالة والحق والديمقراطية مضحيا بحياته وقاطعا طريقا .

وعرا تزيد مسافته على خمسمائة كيلومتر في الصحراء القاحلة دون ماء أو طعام وذلك كله لأجل أن يضع وينشر أسس العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر والحق الإنساني في الحياة والحرية التي فهم مغزاها الدنماركيون في السنوات الأخيرة بشكل مخالف لأعراف البشر؟!

أين كانوا!

وأين كانوا عندما كان العرب والمسلمون يجوبون أقطار الأرض شرقا وغربا شمالا وجنوبا ويسيطرون على البحار والمنافذ المهمة وينشرون الإسلام دون أن يجرأ أحد على أن يقف في طريقهم؟!

أين كانوا عندما قال هارون الرشيد: (أينما تمطر هذه السحابة فهي تمطر في ملكي!).

ترى أين كان الشعب الدنماركي عندما وصلت جيوش العرب إلى قلب فرنسا وحدود إيطاليا وصقلية ومالطا وشمال البلقان وإفريقيا وشرق آسيا!

وما هي آثار حضارة الدنماركيين في تاريخهم عندما كان العرب ينحتون التحف المعمارية الراقية والزخارف الهندسية الرائعة والنوافير المائية الزاهية في بلاد الأندلس!

أين كان الدنماركيون عندما كان المسلمون مصدر العلم والنور والثراء في العالم؟

ترى هل كان الدنماركيون يقرأون أو يعرفون القراءة أو الكتابة في الوقت الذي كان فيه العرب يؤلفون أمهات الكتب في الطب والكيمياء والجبر والفلسفة والعلوم والفلك والجغرافيا والرياضيات والطبيعة والتي ترجمها الأوربيون قاطبة ـ ما عدا الدنماركيون ـ إلى لغاتهم؟

ترى هل يستطيع الدنماركيون أن يدلونا على كاتب أو أديب أو قاص أو شاعر واحد فقط في كل تاريخهم يصل إلى مستوى عنترة بن شداد أو لبيد أو حسان بن ثابت أو المتنبي، بل إلى أبسط شعراء التاريخ الإسلامي فصاحة وبديهة؟

ترى ماذا كان يلبس الدنماركيون عندما كان المسلمون في العصر الأموي والعباسي يلبسون الحرير والاستبرق وينامون على مخدات من ريش النعام؟!

فإذا كانوا يملكون ما كنا نملك في التاريخ الذي مضى وما نملك اليوم من رجالات السياسة والعلوم والفن والأدب والفكر فمن المؤسف أن تصل بهم حضارتهم تلك إلى مستوى الهبوط إلى أدنى مستويات العقل والذوق بنشر صور كاريكاتورية لا نتصور أنها قدمت أو تقدم أو ستقدم شيئا إلى الفكر والثقافة الإنسانية حيثما وأينما نشرت تلك الصورة!

أما أن لا يكونوا يملكون حظا من تاريخنا الماضي والحاضر ومن فكرنا وأدبنا وفنوننا الإسلامية، فقد كان أحرى بهم إذن في مثل هذه الحالة الرجوع إلى مصادر المكتبات المنتشرة في الدنمارك لقراءة بعض الكتب التي تتحدث عن سيرة رجل اسمه محمد.

ولد في عمق الصحراء القاحلة وتربى لدى عمه واستطاع في أقل من عشر سنوات أن يؤسس دولة وصلت حدودها من الصين إلى حدود الدنمارك!!

وحضارة قامت حضارة الدنمارك على بقايا نورها! رجل لا يوجد رجل لا يعرف اسمه ولم يسمع باسمه ولم يتسمى بأخلاقه!! رجل ترك عقيدة راسخة أصبحت تمثل العقيدة الثانية من حيث العدد على سطح الأرض! مع أنها جاءت آخر الديانات!

كنا نتوقع من مثل تلك الدول المهمشة في كتب تاريخ الأمم أن تقرأ التاريخ وتستفيد على الأقل من بعض مزايانا وليس كلها لترفع من مستواها الفكري بدلا من الانحطاط إلى الاستهانة بالآخرين الذين يجهلون قيمتهم الإنسانية!

في حقيقة الأمر نحن لا نسمع عن الدنمارك إلا ما تنتجه من بعض الأجبان الفاسدة التي لم تستطع حتى أن تغزو أسواقهم أمام منافسة الأجبان الفرنسية والإيطالية واليونانية! فبماذا يشتهر الدنماركيون يا ترى؟ فلم يجدوا حلاً لهامشيتهم بين البشر سوى اللجوء إلى الاستخفاف بأنفسهم والنزول إلى مستويات السخرية بالآخرين ممن يفوقونهم مكانة ورفعة!

كنا نتمنى في خضم الصراع العالمي اليوم الذي وضع الإسلام في مواجهة ساخنة مع تحديات الحضارات الأخرى أن يطلب الدنماركيون منا بعض كتبنا أو يدعوا كتابنا ومؤلفينا وعلمائنا ومفكرينا (كما فعلت جمهورية ألمانيا الديمقراطية حينما خصصت معرض كتاب فرانكفورت لدعوة قمم الفكر العربي وأقلامه لعرض تراث الدول العربية) للحوار والمناقشة والتعرف على ما يحدث في العالم الإسلامي من صحوة لا مثيل لها والتعرف على صحة ما يقال عن الإسلام والمسلمين.

لقد التقينا عندما كنا ندرس في جامعات السوربون في باريس بالعديد من الجنسيات المختلفة تتنافس على دراسة حضارات الشعوب؛ ولكنا لم نلتق في يوم من الأيام بطالب جاء من الدنمارك ليجلس معنا على مقاعد الدراسة! وربما كان هذا واحدا من الأسباب التي دفعت تلك الجريدة إلى النزول إلى تلك المستويات الهزيلة والفارغة:

إنه الفراغ الثقافي والفكري كما يطلق عليه! وعندما لم يجد الدنماركيون من رد على سبب ذلك التصرف الأعوج ألقوا بخطيئتهم على عاتق الديمقراطية وحرية الكلمة المسكينة! آه! أيتها الحرية! كم استهزأ بك!

إننا نطلب دون انفعال ودون عصبية ودون صراخ من الشعب الدنماركي ومن مفكريه (إن وجدوا) ليس الاعتذار، فنحن لسنا في حاجة لاعتذار، لأن (إذا أتتك مذمة من ناقص...)! وإنما أن نبعث لهم بواحد فقط (ويكفيهم) من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصرين لتعريفهم - إن كانوا يجهلون- بشخصية وتاريخ وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم!

تاريخ عشر سنوات فقط من مسار هذا التاريخ العملاق الذي بلغ 1427 عاما قبل أيام قليلة على يد ذلك الرسول الأمي الذي لم يكن يقرأ ولا يكتب! ولكنه لا يكذب! الرجل الذي علمنا مكارم الأخلاق، وفن التعامل والدبلوماسية! (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها!).

أو إذا لم يرغبوا في ذلك، فعليهم أن يهتموا بإنتاج الأجبان ويصمتوا وأن لا يتحدثوا كثيرا عن حرية الكلمة الزائفة!

أما الصحيفة الفرنسية (فرانس سوار) التي تبجحت بالحرية من خلال إعادة سوء الفعل فلا تعقيب لنا عليها سوى أن نسأل عن دين رئيس تحريرها ليفي! وسنعرف الإجابة والسبب!

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات