احتلت إسرائيل جنوب لبنان تحت شعار حماية مستعمرات شمال فلسطين من هجمات المقاومة الفلسطينية المنطلقة من جنوب لبنان، واستغلالاً لظرف من الضعف في الجدار اللبناني سمحت به تداعيات الحرب الأهلية بين الطوائف السياسية اللبنانية لا بقوة جيشها الذي لا يقهر، رفضت معه تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 القاضي بالانسحاب.. واستمرت 22 عاماً تحاول إجبار لبنان على توقيع معاهدة سلام تحت الإذعان أو على الاستسلام، لا فرق، فلم تفلح، وصنعت ميليشيا عميلة من أفراد من الجيش اللبناني باعت نفسها للشيطان بقيادة عملاء أمثال سعد حداد وأنطوان لحد لتساعدها على استمرار احتلالها، فلم تنجح.
وأخيراً رأت إسرائيل أن ثمن احتلالها للجنوب المقاوم أكبر بكثير من ثمن محاولات استمرارها في البقاء تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية التي ضمت ألوان الطيف السياسي المقاوم، والتي اختارت حماية لبنان من الشيطان، وفى مقدمتها المقاومة الإسلامية اللبنانية التي يمثلها حزب الله بقيادة شرفاء مثل عباس الموسوي وحسن نصر الله فحاولت دون جدوى التفاوض مع الحكومة الوطنية اللبنانية للانسحاب، فشلت لأنها اصطدمت بحكومة لا تخضع للإملاءات الأميركية الشقيقة الكبرى للصهيونية حتى لو صح الادعاء بأن لبنان كان في ظل وصاية الشقيقة الكبرى سوريا، ولم يكن أمام المحتل الإسرائيلي سوى الانسحاب المهين بفعل المقاومة الوطنية اللبنانية لا بفعل القرار 425، وبفضل الدعم الأخوي من سوريا وإيران لا بضغط الفرنسيين والأميركان، دون غطاء لماء الوجه ودون اعتراف ودون أي من أشكال المفاوضات.
وبفعل تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية أيضاً، والتي دفعت إليها الأطراف الدولية والإقليمية نفسها التي تحاول اليوم دفع بعض عرائس المارونيت الطائفية أو السياسية لتوتير الأجواء بتصريحات هستيرية انزلاقاً إليها، وهى الحرب اللعينة التي تدخلت سوريا العربية عام 1976 لوقفها بطلب من الرئاسات الوطنية الشرعية اللبنانية الثلاث، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الوزراء، وبطلب من الأحزاب المسيحية قبل الإسلامية وبتكليف من الجامعة العربية وبغطاء دولي من الأطراف الأميركية والفرنسية التي كانت تسعى لإنقاذ المسيحيين اللبنانيين الذين سرت إشاعات بطلبهم سفناً فرنسية لإخراجهم من لبنان.
وجربت أميركا التدخل في لبنان بقوات من مشاة الأسطول ظناً منها بالقدرة على حسم الأمر لصالح حلفائها وهى القوة العظمى التي لا يمكن مقاومتها، ولكنها تحت الضربات الموجعة لعمليتين استشهاديتين فقط من المقاومة الوطنية اللبنانية، وقعت الثانية منها في مقر قيادة القوات الأميركية في بيروت، اندفع الجنود الأميركان إلى الفرار من لبنان إلى سفن الأسطول السادس بعد أن أرسلت جثث نحو 300 جندي وضابط ملفوفين بالعلم الأميركي إلى واشنطن، ولم تستطع القوات الأميركية بعد ذلك ملامسة الأرض اللبنانية، ولم تملك سوى قصف بيروت من البحر!
إن هذا الدرس اللبناني الثلاثي وحده كاف جداً لكل من إسرائيل وأميركا وسماسرة الحرب الأهلية في لبنان من الموالين لهما في لبنان وخارجه.
كما أن الدرس العراقي للولايات المتحدة ولحلفائها بعد المأزق الكبير الذي ورطت قواتها فيه، والتي بفعل تصاعد معدلات خسائرها البشرية والمادية تحت ضربات المقاومة الوطنية العراقية، وزوال الهيبة الأميركية لدى شعوب العالم، وتصاعد الرفض الشعبي والمؤسساتي الأميركي، فضلاً عن السخط العربي والعالمي لاستمرار الاحتلال الأميركي للعراق العربي، فإن الولايات المتحدة الموروطة في المستنقع العراقي، والباحثة الآن عن أي غطاء سياسي للوجه الأميركي سواء تحت غطاء الانتخابات العراقية، أو بالاضطرار إلى التفاوض مع المقاومة، أو طلب قوات عربية، تجد نفسها أشبه بالمأزق الإسرائيلي في جنوب لبنان بعدما تكشف لأميركا أنه لم يعد أمامها سوى الانسحاب السريع من العراق.
إن مثل هذه الدروس المحددة قادرة وحدها أن تعلم الجميع، الجاهلين والمتجاهلين وتذكر الناسين المتناسين، وتنبه السياسيين من دعاة الاستقواء بالعدو الأجنبي ورفض الاحتماء بالشقيق العربي.
إن أميركا بمحاولاتها تهديد سوريا لن تجد في محاولاتها سوى درس العراق، وأنها بمحاولاتها ضرب استقرار لبنان لإيجاد مبرر لتواجد أميركي عسكري في لبنان مثلما تحاول في السودان، لن تجد في محاولاتها سوى درس بيروت عام 79، وإلا لا تكون قد تعلمت شيئاً من دروس التاريخ القريب!
أميركا وإسرائيل بمحاولاتهما ضد مقاومة حزب الله في جنوب لبنان إنما تبدآن من درس الجنوب المقاوم عام 2000 لتنتهيا بدروس أخرى في الجنوب المقاوم دائماً.
الموتورين والمتوترين من سماسرة الحرب الأهلية في لبنان يمكن أن يعرفوا كيف يشعلون الحرب لكنهم بكل تأكيد لا يعرفون كيف ولا متى تنطفئ نيرانها.. ولبنان العربي والذي عانى شعبه العزيز على كل عربي من مآسي الحرب وخرابها على مدى 15 عاماً لابد أنه هو الآخر قد تعلّم الكثير من الدروس بما لا يسمح معه لأحد مهما كان أن يدفع به إلى الهاوية مرة أخرى «فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد أكثر من مرة».. وإلا يكون هو الآخر لم يتعلّم شيئاً.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com