رد الفعل الإسرائيلي على فوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، يدعو للاشمئزاز، ويقدم برهانا ناصعا على أن تل أبيب لا تريد شريك سلام فلسطينيا، بقدر ما ترغب في وجود طرف تابع، يمارس دور الشرطي الذي يحمي حدود إسرائيل غير الآمنة، ويرفع عصا غليظة في وجه الشعب الفلسطيني، يطلب منه أن يقبل الضيم، ويرضى بالإهانة، ويقنع بالفتات المتاح من أرضه السليبة، وتاريخه المطمور تحت تلال من الأكاذيب.
إن استباق إسرائيل بإعلان رفض التفاوض مع حكومة من «حماس»، ودعوتها الأوروبيين إلى عدم مساعدة حكومة تشكلها حماس ماديا، لا يمكن فهمه إلا من ثلاث زوايا:
الأولى: ان إسرائيل، التي تتيه على محيطها الإقليمي بديمقراطيتها رغم ما يشوبها من عنصرية، ترفض اختيار شعب واع، كل فرد فيه قادر على أن يميز الصالح من الطالح، والطاهر من الفاسد، وبالتالي فهي ترفض الديمقراطية في فلسطين أو غيرها إن أتت بما لا يشتهيه من يحكمون في تل أبيب.
والثانية: ان إسرائيل تقفز على حقائق الواقع، رغم أنها تطالب الجميع بأن ينسوا كل ما فات، ويمتثلوا لما صارت إليه الأمور. والواقع يقول بجلاء لا لبس فيه إن الفلسطينيين أميل إلى «نهج» حماس، وبالتالي فإن الواقعية تفرض على الساسة الإسرائيليين أن يتعاملوا مع هذا الوضع، لأن رفضه لن يثمر شيئا. ومن قبل كانت إسرائيل تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية « إرهابية»، وتقول إن يد رجالها «ملطخة بالدماء» لكنها لم تجد بدا أمام الانتفاضة الباسلة من أن تضع يدها في يد عرفات، بعد أن طلبت منه أن ينظر تحت قدميه، ويلغي من ميثاق المنظمة فكرة «صراع الوجود» و«فلسطين التاريخية»، ويتعامل بمبدأ خذ وطالب، و«غزة وأريحا أولا» ليصير الهدف الأقصى، والغاية النهائية هي تحصيل ما سلب من أرض فلسطينية في عام 1967.
أما الثالثة: وهي الأهم، فإن إسرائيل فقدت ذاكرتها تماما، ولا تريد أن تعترف أنها زرعت الشوك فجنت الجراح. فتل أبيب كان مستريحة في البداية لتنامي نفوذ حماس، وقت أن كانت تتحرك بأسماء أخرى، وبشكل محدود، تحت لافتة «المرابطون على أرض الإسراء» و«حركة الكفاح الإسلامي»، بل رأت تل أبيب أن بوسع «التيار الإسلامي» في فلسطين أن يكون منافسا لليساريين، الذين يسيطرون على منظمة التحرير وغيرها، وتصورت أن هذا سيقود إلى انقسام عميق في الصف الفلسطيني، قد يصل إلى حد الصراع الداخلي، أو حتى استخدام ورقة «الإسلاميين» بالضفة الغربية وقطاع غزة في الضغط على عرفات ورفاقه، قبل أن تطأ أقدامهم الأرض الفلسطينية.
وتنسى تل أبيب أن سياساتها الخاطئة منذ المنشأ وحتى المنتهى كانت وراء صعود حماس تدريجيا في الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية. ففي البداية قاد قيام إسرائيل بإبعاد أربعمئة من قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور بجنوب لبنان عام 1992، إلى بزوغ نجمي هاتين الحركتين، وكسبهما لتعاطف الفلسطينيين في الداخل والخارج، بل تعاطف العالم أجمع، الذي لم يجد بدا أمام مرابطة المبعدين وإصرارهم على العودة من إرغام إسرائيل على العدول عن قرارها الخاطئ البغيض. ومنذ إبرام اتفاقية أوسلو وإسرائيل تعمل في الاتجاه الذي يعزز نفوذ حماس، من خلال سياسة منتظمة ومستمرة، طبقها العمل والليكود، لإضعاف السلطة الفلسطينية، وعقاب الشعب الفلسطيني بشكل جماعي، وهي المسألة التي بلغت حدها مع شارون حين قرر التخلص من أبو عمار والشيخ أحمد ياسين، واتبع سياسة تصفية كوادر حماس والجهاد، وبناء جدار عنصري، وتحويل فكرة «الدولة الفلسطينية» التي يتمناها الفلسطينيون جميعا، ويصبرون من أجلها، إلى أضغاث أحلام.
اليوم تخطئ إسرائيل مرة أخرى برفضها الجلوس مع حماس على طاولة التفاوض، بل تتعامل مع فوزها على أنه ذريعة للتنصل من أي التزامات، أو استئناف أي مفاوضات. وهذا الرفض لن يكسر حماس، أو يعزلها عمن اختاروها، خاصة أن السلوك الإسرائيلي على مدار عقد كامل جعل أغلب الفلسطينيين يكفرون باتفاقيات لا تطبق، ومفاوضات لا يضمنوا الأمن في رحابها، بل يتضررون منها، لأنها تطيل، في نظرهم، أعمار الفاسدين من السلطة الفلسطينية، وتهضم بالتتابع الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بتنازلات جارحة.
ربما تفرز الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي ستجري في مارس المقبل نخبة قادرة على التعامل بواقعية مع «تسونامي» الفلسطيني، تعتبر أن التفاوض مع حماس مباشرة قد يؤدي إلى إعلاء صوت السياسة على السلاح في مسلكها، وقد يجعلها تتراجع هي الأخرى عن «صراع الوجود»، وتتمكن من فرض الأمن في الأراضي الفلسطينية بالتعاون مع أبو مازن، وتمنع العمليات الاستشهادية داخل «الخط الأخضر». وربما تكابر إسرائيل فتكبر حماس في عيون الشعب الفلسطيني أكثر، وتكسب اعترافا دوليا أوسع، وتستطيع أن تقود الفلسطينيين مرفوعي الرأس إلى هدفهم المنتظر وهو «دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف».
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة