عدا المكابرة التي انطوت عليها ردود فعل حركة فتح على فوز حماس في الانتخابات التشريعية، اظهر الفلسطينيون إحساساً بالمسؤولية حيال فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بغالبية مقاعد المجلس التشريعي.
لقد تراوحت ردود الفعل حيال فوز (حماس) في الانتخابات الفلسطينية ما بين الصدمة والمفاجأة بل وحتى الذهول. رد فعل حركة فتح كان متوقعا، لقد انطوى على شيء من معاندة الحقائق والمكابرة. فالحركة التي ظلت تمثل قلب الوطنية الفلسطينية طيلة الأربعين عاماً الماضية مذهولة لأن صناديق الاقتراع وجهت لها صدمة جردتها من حالة الخدر اللذيذ التي يتنعم بها حزب السلطة.
ردود الفعل الأخرى ليست أفضل بكثير. فبالنسبة للإسرائيليين، يصعب فهم ان من كان اسمه لديهم يقرن بالشيطان سيشكل اليوم الحكومة الفلسطينية. اما الولايات المتحدة وبريطانيا فان موقفهما ينطوي على قدر فاضح من النفاق. القبول بمشاركة حماس في الانتخابات والضغط على إسرائيل من اجل ذلك ومن ثم رفض التعامل مع حكومة تشكلها حماس التي أوصلتها صناديق الاقتراع إلى هذا الفوز الساحق.
ما يشغل الفلسطينيين والعالم الآن أمر آخر: ماذا ستفعل (حماس)؟. هل يمكن ان تدشن لتحول جديد بعد فوزها بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني؟.
فوز حماس ليس مدعاة للصراخ والفزع حتى لدى الإسرائيليين. وحسب الإسرائيلي غادي طاؤوب فان «حماس» «ربما تستطيع فعل مالم تستطع فتح القيام به.. امتلاك حصرية السيطرة على السلاح». (الايجابي في فوز حماس -المستقبل مترجما عن معاريف، 30 يناير).
يرى طاؤوب ان «لحماس مصلحة في ذلك (امتلاك حصرية السلاح) لان ما من سلطة يمكنها ترسيخ استقرارها مع وجود جيوش مستقلة تحتها». وينصح الإسرائيليين بـ «التحلي بالأمل في ان تكون تجربة انهيار سلطة فتح ماثلة في ذاكرة حماس، فاذا قامت حكومة حماس بتركيز القوة، واذا ما امسكت حماس بزناد الإرهاب ولجام السلطة في الوقت ذاته، فسيكون ممكناً إدارة سياسة فعالة ازاءها، وجبي اثمان منها مقابل الاعمال المعادية».
بل انه يذهب إلى ماهو ابعد من ذلك عندما يرى انه «اذا كانت مسؤولية العمل والغذاء والكهرباء والطبابة والمجاري، تقع على عاتق حماس، فستواجه ما لم تواجهه حتى الآن: سيكون لديها ما تخسره. وستكتشف، مثلاً، انها متعلقة مالياً بجبي الضرائب من قبل إسرائيل وبأموال المساعدات الأميركية والأوروبية».
فلسطينيا ثمة قراءات اخرى لمنطق الهزيمة والنصر، فوز حماس قد يكون فرصة لبدء إصلاح حقيقي مثلما يرى هاني حبيب. فالكاتب يرى ان «امكانية الشروع في عملية إصلاح حقيقي بقيادته (ابومازن) باتت تكتسب فرصاً افضل، لا لشيء، الا لأن طواويس قيادة فتح قد انزوت إلى الخلف، ولم تعد قادرة على وضع العصي في دواليب الإصلاح». (الآن تبدأ العملية الإصلاحية بقيادة ابومازن ـ الايام الفلسطينية، 1 فبراير).
فوز حركة حماس الساحق ليس سيئا بالضرورة مثلما يتخوف الكثير من الفلسطينيين والعرب طالما ان هذا الفوز جاء عن طريق صناديق الاقتراع. ليس على الفلسطينيين ان يتحدثوا باي لهجة اعتذارية للإسرائيليين أو الأميركيين طالما ان الإسرائيليين يصوتون بالمثل لأحزاب متطرفة بالمقاييس الإسرائيلية لا بمقاييسنا نحن.
وإذا كان فوز حماس الساحق هذا يبدو تمرينا مثاليا للديمقراطية الفلسطينية، فان المنطق يقتضي ان يذهب الفلسطينيون في التجربة إلى مداها لا ان ينقلبوا عليها تحت اي ذريعة. لكن مع ذلك يبدو ان خليطا من الأسباب والدوافع تقف وراء هذا الانتصار المدوي. سواء أكان ترهل حركة فتح، فساد السلطة وسجل أدائها المخفق، الفراغ الذي خلفه غياب نموذج القيادة الذي مثله الرئيس الراحل ياسر عرفات او التصويت نكاية بالإسرائيليين والأميركيين والسلطة ايضا، فان الامتحان الحقيقي لحماس أصلا.
فوز حماس قد لا يكون جوابا مكتملا وناجزا لمعضلات الواقع الفلسطيني. هذا الفوز (المستحق بالتأكيد) قد يمثل هو نفسه معضلة «تتلخص في صعوبة الاختيار الناجز والمطمئن بين ترجيح كفة نخب حديثة استشرى الفساد ومنطق المحسوبية فيها، وبين إسلامية جذرية تريد للصراع السياسي أن يكون صراع هويات كلية» مثلما يرى حسن شامي. (فلسطين وقد وقعت في قبضة حماس - الحياة، 29 يناير).
لقد شهدنا على مدى السنوات الماضية منذ قيام السلطة الفلسطينية امتحانا آخر بين حماس والسلطة وحزب السلطة (فتح).
بعيدا عن أداء السلطة المخفق وفساد المتنفذين فيها، لم تكن حماس لتكترث بأداء السلطة او أفق تحركها. وهي بهذا كانت توالي ارتكاب الأخطاء واحدا تلو الآخر وصولا إلى ذروة اجتياح العام 2002 واحتجاز الراحل ياسر عرفات في المقاطعة حتى وفاته. عملية استشهادية تلو الأخرى وإسرائيل ترد بتدمير السلطة وبنية السلطة، أي بعبارة أخرى تدمير السلطة التي ستديرها (حماس) الآن.
يمكن تخيل فداحة الخطأ الذي مارسته حماس في السنوات الماضية لو اننا تخيلنا نموا طبيعيا للسلطة الفلسطينية منذ قيامها. اوه.. هانحن نقول «لو» رديفة الأمنيات، المكروهة جدا لدينا، لكن الحساب ثقيل جدا. فعندما فرغت إسرائيل من حربها ضد السلطة التفتت إلى حماس فاغتالت مؤسسها وقائدها الروحي واغتالت خليفته وبعضا من ابرز قادتها.
وبدلا من الرد المزلزل، غيرت (حماس) من افقها وخطابها ودخلت انتخابات لسلطة لم تعترف بها وكانت تتعفف من دنسها ودنس الاتفاق الذي أوجدها. من حقها طبعا، لولا ان حساب التاريخ يظهر ان هذا جاء متأخرا وكلف الفلسطينيين أثمانا كان من الممكن تفاديها. لو ان أحدا اقتنع بان إسرائيل لا تريد أي سلطة فلسطينية تملك إمكانية النمو كائنا من كان على رأسها، المرحوم عرفات أو الشهيد احمد ياسين او أي فلسطيني مهما كان اسمه.
كاتب بحريني