يبدو أن الحنين للأيام الخوالي، تلك الأيام التي كان يتم فيها الحديث عن هموم الإنسان في ما يسمى بالمناطق النائية، أو تلك القرى البعيدة عن المدن المركزية في الدولة. قد عاد من جديد إلى الأضواء، خاصة حينما اتضح أن هنالك بوناً شاسعاً، في مستوى المعيشة، بين سكان المدن الرئيسية، وأولئك الذين يعيشون على الأطراف.
كم هو مؤسف، أن نسمع، أنين مواطن، يطالب بأدنى الحقوق للإنسان، مسكن مناسب، أو مركز للعلاج الطبي، أو مدرسة يتلقى فيها أبناؤه التعليم، أو ربما الحلم في توفير سوق بسيطة، توفر لهم المواد الاستهلاكية، بعيداً عن هيمنة أولئك الذين لا يرون في هذا الوطن إلا فرصة للثراء. صاحب بقالة، ربما يتحكم، في مصير أولئك الذين يدركون، أن الحاجة، تجعل الإنسان سجيناً لأولئك الذين لا يهمهم إلا تأكيد هيمنتهم على البشر، وخاصة ذلك الذي يشكل لهم الكفيل.
المواطن أصبح غريباً في بلده. وكم هو مؤلم أن يكون حلم ذلك الإنسان في أن نقدم له المساعدات، كما نقدم للدول الأخرى. ومما يزيد من الحزن والأسى أن المناطق النائية، على مستوى الدولة، متساوية في المأساة في كل المجالات.
لعل الصحافة المحلية، في هذه الأيام، تتابع ما أمر به، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ في العام الماضي، من تلبية احتياجات تلك المناطق، في شتى المجالات. إلا إن الواضح أن هنالك بطئاً في تنفيذ توجيهات رئيس الدولة!!
مما لاشك فيه، أن المرحلة الجديدة لتلبية احتياجات المواطنين الأساسية هي امتداد للمرحلة السابقة، فكما يبدو، أن الأطراف في الدولة، تعاني من العديد من المشكلات، نتيجة لعدم اهتمام المسؤولين بتلك المناطق، إضافة إلى عدم وجود آلية لتوفير الحياة الكريمة، لأبناء الوطن، سواء في المراكز أو الأطراف، فهل يعقل أن مساكن شعبية، قد انتهى عمرها الافتراضي، لم تعالج منذ زمن بعيد؟ وهل يعقل، أن الإنسان، يبحث عن الأمن والأمان والتعليم، في دولة دخلت القرن الحادي والعشرين، وهي تصنف الآن، كما في الأمس، في عداد الدول المتقدمة في شتى الميادين.
ويشهد الجميع لحكامها، أنهم من أحرص الناس، على تقدم الوطن والمواطن.
إذن ترى هل المشكلة في البيروقراطية المعششة في الإدارات، وفي أولئك الذين يشعرون عندما ينفقون على مشروع يفيد منه المواطن، وكأن أحداً يقطع من لحومهم، كما في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، وهل المشكلة في أن هناك جهازاً إدارياً يتعثر وغير قادر على تنفيذ أوامر رئيس الدولة. إن من المحزن، أن أعماق الوطن، تعاني من كل تلك المشاكل، التي هي أبعد ما تكون، عن رغبة صاحب السمو رئيس الدولة، وصاحب السمو نائب رئيس الدولة، وإخوانهم حكام الإمارات.
هل نحن بحاجة إلى إعادة قراءة الدستور، وتوجيهات القيادة السياسية؟، والتي تؤكد على أهمية أن يعيش الإنسان حياة كريمة، تتوفر فيها الحدود الدنيا من رعاية دولة الرفاه، وخاصة أن مجموع السكان من المواطنين، يقل عن المليون، في بلد يعيش فيه ما يزيد على الأربعة ملايين من البشر.
إن الواقع الحقيقي للمواطن، محزن بكل المقاييس الإنسانية، وما يخشاه الإنسان، أن تلك الصورة، تحاول قوى معينة أن تحجبها حتى لا تصل إلى القيادات. وأنها تعطي صورة مغايرة للواقع الحقيقي، الذي يعيشه المواطن، وكم سيكون محزناً أن يظل أبناء المناطق النائية لا يتمتعون بخيرات الوطن.
ولعل خروج مجموعة من النساء المواطنات المتزوجات من أجانب، ممن يعتمدن على المعونات الاجتماعية، في توفير متطلبات حياتهن، وهو ما تحاول بعض الجهات قطع تلك المعونة عنهن، يعلن التمرد على التقاليد والخروج عنها، من خلال اعتصام نسائي هو الأول من نوعه في التاريخ الاجتماعي للإمارات. إنها صورة واضحة، لإعلان الاحتجاج، على القرارات الجائرة، في حق الإنسان، التي اتخذها مسؤولون، في وزارة تفخر بأنها تحقق دخلاً من الرسوم بلغ مليارات الدراهم. ولعل هؤلاء لا يعرفون أن تلك المليارات، إنما هي من حق المواطن، الذي تعتبره الدولة أثمن رأسمال. وهذا المواطن هو نفسه في أي موقع يكون، في أعلى الأبراج، أو في أبعد قرية، من قرى الوطن.
إنها حق، لهؤلاء المواطنات، كما هي حق للموظفين، الذين يغمضون أعينهم، وقد يصمون آذانهم عن سماع أصوات هؤلاء المواطنات، ولا سيما بالنسبة لأزواج هؤلاء المواطنات، الذين قد تربطهم بهم علاقة قرابة وصلة رحم، قبل أن يصبحوا أزواجاً لهن. تلك الفئة أدركت أن هنالك من يحارب حقوقهن البسيطة في ظل طاحونة الغلاء، وتلك الخطوة، ربما تكون، آلة لدفع تلك العائلات، نحو مرحلة جديدة، من انخراط أفراد عائلاتهن في عالم الضياع، والانغماس في عالم الجريمة.
ما عاد من المقبول، أن تزداد حدة تلك المشكلات، ويتم تجاهلها، بشكل من الأشكال، إن أصعب مرحلة يمر بها الإنسان هو إحساسه بالاغتراب في وطنه، سواء الذكور أم الإناث. ألا يعتقد كل عاقل، أن ذلك سيؤدي، إلى ازدياد أعداد الخارجين عن الحياة الطبيعية، وتزايد أعداد من يمكن أن لا يندمجوا في المجتمع، إذا أضفنا إلى ذلك، بقاء قضية عدم محددي الهوية معلقة، أو ما يعرف بفئة «البدون» في المجتمع، من حيث معالجة تلك القضايا، قبل فوات الأوان.
من المؤكد أن الإمكانيات المالية، والتي هي مؤشر، لحل كل تلك المشكلات متوفرة، من دون أي تدخل خارجي، أو اضطرابات داخلية. إن توفير مبلغ زهيد، من المداخيل العامة للإمارات، هي المنقذ للبشر والمجتمع وبشكل حضاري. ونحب أن نؤكد، أن أصحاب السمو، حكام الإمارات، لن يضنوا على أبنائهم وبناتهم بتوفير المبالغ المطلوبة، والكل يسجل بالعرفان والشكر مكرمة صاحب السمو رئيس الدولة بزيادة المساعدات الاجتماعية، بنسبة 75%، قبل نهاية العام المنصرم وبتكلفة تزيد على (600) مليون درهم، لتوفير الحياة الكريمة للمواطنين.
ومن المؤكد، أن أولئك البشر، يفكرون بصوت عال، لإنقاذهم من همومهم القاتلة، ومن تدخل قوى خارجية، همها الوحيد، أن تؤكد أنها منقذة البشرية، على حين أن الحل بأيدينا وليس بأيدي من يريد أن يؤكد أنه الحضارة، وأن غيره ما هو إلا الجزء المتخلف من البشرية.
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»
almutawa_mohammed@hotmail.com