ليست هذه هي المرة الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة. فالإساءة إلى الإسلام تكررت كثيراً في الغرب. والرسوم الكاريكاتيرية المسيئة التي تطاولت على الرسول الكريم، والتي تداولتها صحف غربية عدة ما هي إلا حلقة في سلسلة مواقف عنصرية عدائية من جانب الغرب.
ويكذب من يقول إن الصحافة الدنماركية أو الأوروبية أو الأميركية هي التي تتحمل وحدها مسؤولية الإساءة إلى مشاعر المسلمين. لقد خرج أكثر من مسؤول غربي بتصريحات تخلو من المصداقية تماماً لتبرئة الساحة الغربية الرسمية مما حدث. زعموا أن الصحافة لها حريتها في التعبير وإبداء الرأي، ونسوا أن الذي شجع حملة الأقلام المسمومة هم بعض المسؤولين في الغرب.
سوء سلوك سياستهم تجاه كل ما هو إسلامي هو الذي يشعل دوماً نيران فتنة عالمية لا تحمد عقباها. هل تنكر العواصم الغربية أن تبنيها سياسات أو سلوكيات ذات طابع عنصري تجاه المهاجرين تؤجج نيران الغضب، وتطلق الضوء الأخضر لذوى النفوس الضعيفة لتتخذ مواقف عدائية ضد كل ما هو وافد إليها من بلدان العالم الثالث أو الإسلامي؟
هل تنكر العواصم الغربية أن قوانينها الأخيرة الصادرة بحجة مكافحة الإرهاب استهدفت في المقام الأول من يعيش على أرضها من غير الأوروبيين الأصليين، وأنها بالتالي دفعت الرأي العام الأوروبي والأميركي إلى أن ينظر إلى الجاليات الإسلامية نظرة سلبية تماماً بل عدائية وكأن أفرادها حماة الإرهاب أو دعاته؟
عندما يصل الأمر ـ مثلاً ـ بالسلطات الأميركية قبل عام إلى أن تشترط على وزير عربي تلقى دعوة ثقافية لزيارتها أن يخضع للتفتيش في احد المطارات، فان ذلك يدفع المواطن الأميركي على الفور إلى التوجس من كل ما هو عربي أو إسلامي مادامت سلطات بلده تتعامل مع الزوار حتى ولو كانوا وزراء على أنهم مشتبه بهم. إذا كان ذلك هو الموقف الرسمي، فما بالنا بالموقف على المستوى الشعبي؟
للأسف الشديد ساهمت سياسات الغرب البعيدة تماماً عن المنطق والعدل والإنصاف في أن تدفع الإعلام الغربي إلى النظر إلى الإسلام على أنه مرادف للإرهاب، والى اعتبار أن كلمة «مسلم»، تعني «إرهابي».
ان نيران الغضب في الشارع العربي والإسلامي التي أثارتها صحيفة دنماركية، لن تخمد إلا إذا أيقن الغرب أن عليه أن يعيد مواقفه وألا يكيل بمكيالين طبقاً لمصالحه وأهوائه.
ويبقى أن نقول إننا كعرب ينبغي علينا الخروج من دائرة رد الفعل إلى نطاق المبادرة، ذلك أن مواقفنا كلها عبارة عن ردود أفعال غاضبة. لم نبادر بتبني سياسة علمية ومنطقية توضح للغرب جوهر رسالة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام وأصول ديننا المفترى عليه الآن. عندما يقول «فلامينغ روزيه» محرر القسم الثقافي بصحيفة «يلاندز بوستن» الدنماركية إن معلوماته محدودة عن رسولنا الكريم، فان الخطأ هنا يتحمله المسلمون أنفسهم الذين تهاونوا في تصحيح مفاهيم الغرب عن الإسلام وأهملوا دورهم في إعلاء شأن دينهم الحنيف.
آن الأوان لأن تنتفض المنظمات والمؤسسات الإسلامية الرسمية وتوجه طاقاتها وجهودها للوصول إلى عقل المواطن الغربي الذي لا يرى من الإسلام سوى القشور ولا يعرف شيئا عن مضمونه القائم على النبل والتسامح والتحاور والتعايش مع الآخر.