تصميم رئيس الحكومة الاسرائيلية بالانابة ايهود اولمرت على اخلاء موقع »امونا» الاستيطاني قرب رام الله بالرغم من المواجهات العنيفة بين قوات الامن الاسرائيلية وحشود المتطرفين اليهود، الذين حاولوا منع عملية الاخلاء - هذا الموقف يشير الى بوادر مشجعة من جانب الحكومة الاسرائيلية في الاتجاه الصحيح، الذي يؤدي ، او من المفروض ان يؤدي الى تصفية الظاهرة الاستيطانية بكافة اشكالها ومسمياتها، الا ان هذه البوادر ليست كافية، وانها تمثل عنوانا فقط لنهج من المفروض ان يتسع نطاق تطبيقه ليكون شاملا وعاما، ينفذ حيثما وجدت اي مستوطنة، او موقع استيطاني على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

ومن المؤكد ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ الاحتلال، قبل ما يزيد عن ثمانية وثلاثين عاما، هي التي تتحمل وزر تشجيع الاستيطان والمستوطنين وانفاق مليارات الدولارات على بناء مئات الالاف من الوحدات السكنية الاستيطانية، وتقديم الامتيازات والدعم المادي والمعنوي للمستوطنين، حتى استفحلت ظاهرة الاستيطان، واصبحت تشكل تهديدا فعليا للنظام السياسي الاسرائيلي ولا تتورع عن استهداف احد رؤساء الحكومات الاسرائيلية السابقة، وهو اسحق رابين واغتياله من جهة ، والتصدي من الجهة الاخرى لقوات الجيش والشرطة الاسرائيلية التي تنفذ قرارا باخلاء مستوطنات القطاع او المواقع الاستيطانية كما حدث امس في امونا.

وقد يختلف المراقبون والمحللون السياسيون حول الدوافع التي حدت باولمرت لاستخدام اسلوب الحزم والتصميم وعدم التردد في اخلاء امونا وهو الاسلوب ذاته الذي اتبعته الحكومة الاسرائيلية لاخراج المستوطنين من سوق الخليل قبل ايام، فيراه البعض محاولة لاعطاء انطباع بان اولمرت لا يقل حزما وقوة شخصية عن رئيس الوزراء ارئيل شارون نفسه، وهو بالتالي مؤهل لتولي زعامة حزب »كاديما« الذي اسسه شارون قبل اسابيع قليلة، والحلول محل رئيس الوزراء الموجود حاليا في غيبوبة ليس من المحتمل ان يشفى من عواقبها.

ويعتقد البعض الاخر ان اولمرت يمتلك برنامجا سياسيا مكملا لبرنامج شارون اهم نقاطه تقليص مساحة الاراضي التي تسيطر عليها اسرائيل، الى الحد الذي يضمن اغلبية يهودية ثابتة لا مجال للشك فيها وتنفيذا لهذا البرنامج فهناك امكانية لاخلاء مستوطنات بالضفة وانسحابا احاديا، او بالاتفاق مع الجانب الفلسطيني من مناطق ذات كثافة سكانية فلسطينية مرتفعة.

وفي كل الاحوال، فان هذه البوادر التي تتم على الرغم من الدعاية الاسرائيلية والاميركية والاوروبية التي واكبت ولحقت فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية تعد مؤشرا، مجرد مؤشر على احتمالات ايجابية بأن تسير الحكومة الاسرائيلية المقبلة، التي يحتمل ان يشكلها حزب »كاديما« ان لم تحدث مفاجآت غير متوقعة، ان تسير في اتجاه الانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهو انسحاب لن تكون له اثاره الكاملة والايجابية على استقرار المنطقة ما لم يكن شاملا وتوافقيا مع الجانب الفلسطيني وارادة المجتمع الدولي ومبادرات السلام المطروحة لانهاء الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي.